قال الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، إن فتح إسرائيل تحقيقًا بشأن استشهاد الطفلة هند رجب، بعد مرور عامين ونصف العام على وقوع الحادث، جاء وفق قراءته بعد فترة طويلة من التعتيم، موضحًا أن الرقابة العسكرية الإسرائيلية تفرض قيودًا على نشر تفاصيل وقائع من هذا النوع. واعتبر فهمي أن استمرار عدم الإعلان حتى الآن عن أسماء الجنود أو الضباط المتورطين يعكس آليات إدارة المعلومات داخل المنظومة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، بما يحدّ من إمكانية مساءلة المسؤولين في مرحلة مبكرة.
وأكد خلال برنامج «مساء dmc» أن توقيت فتح التحقيق قد يرتبط بمحاولات إسرائيلية لتقليص تداعيات القضية ومنع انتقالها إلى مساحات أوسع من القضاء الدولي. وأشار إلى أن هناك قضايا وملاحقات دولية مرتبطة بوقائع الحرب في غزة، ما يجعل أي ملف داخلي حساسًا عرضة لأن يتحول إلى مسار قانوني خارج الحدود. كما لفت إلى وجود تخوف إسرائيلي من الملاحقات القضائية بحق مسؤولين عسكريين وسياسيين، خصوصًا في ظل صدور مذكرات توقيف عن المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف جالانت، إضافة إلى وجود تحركات وقضايا أخرى أمام محاكم دولية وأوروبية.
وشدد فهمي على أن بعض القضايا التي تتعلق بعسكريين إسرائيليين وصلت بالفعل إلى محاكم في دول أوروبية، إلا أن إجراءات قانونية وأمنية حالت في حالات متعددة دون تنفيذ أحكام أو توقيف الأشخاص المطلوبين. وفسر ذلك بأن ما بين تقديم الملفات والقدرة على التنفيذ توجد عوائق تتداخل فيها الاعتبارات السياسية مع القيود الأمنية والإجراءات الإجرائية، وهو ما قد يطيل أمد التقاضي ويؤثر في سرعة النتائج.
وفي سياق متصل، تطرق فهمي إلى مشروع «E1» والاستيطان في الضفة الغربية، محذرًا من أن التحركات الإسرائيلية الحالية قد تُفهم—بحسب وصفه—كتمهيد لما سماه «الضم الصامت». وبيّن أن القانون الدولي لا يقرّ بتبرير أي شكل من أشكال الاستيطان على الأراضي الفلسطينية المحتلة، سواء كانت المستوطنات الرسمية أو البؤر الاستيطانية غير الرسمية. وأوضح أن توسيع البؤر الاستيطانية ثم دمجها تدريجيًا ضمن نطاق المستوطنات القائمة لا يقتصر على تغيير حدود جغرافية محددة، بل يمتد إلى تعديل التركيبة السكانية والواقع الميداني في الضفة الغربية.
وأكّد أن مشروع «E1» يحمل أهمية خاصة لإسرائيل، لارتباطه بالمستوطنات الواقعة بين القدس ومعاليه أدوميم، معتبرًا أن تنفيذ مثل هذه المخططات يهدف إلى تقطيع أوصال المناطق الفلسطينية وفرض معادلة جغرافية جديدة على الأرض. ولفت إلى أن استمرار التوسع الاستيطاني بهذا الشكل قد يقلّص فرص التواصل الجغرافي الطبيعي بين مناطق الضفة، ويعيد تشكيل خرائط الحركة والتنقل بما يخدم الوقائع الجديدة التي تسعى إسرائيل لتثبيتها.
وربط فهمي ما يحدث حاليًا بأجندة اليمين الإسرائيلي ومطالب الأحزاب المتطرفة داخل المشهد السياسي، محذرًا من أن الاستمرار في هذه السياسات قد يقود إلى خطوات أكبر لاحقًا باتجاه ضم أجزاء من الضفة الغربية. واعتبر أن «الضم الصامت» لا يظهر دومًا عبر إعلان رسمي مباشر، بل قد يتبلور عبر سلسلة إجراءات على الأرض: توسيع الاستيطان، ربط المستوطنات بممرات ومخططات تخطيطية، تعزيز السيطرة الميدانية، وإعادة رسم حدود النفوذ.
وبخصوص قدرة الدول العربية على ممارسة ضغوط على إسرائيل، قال فهمي إن أدوات التطبيع والعلاقات الإقليمية تبدو—في الوقت الحالي—محدودة التأثير، خاصة في ظل توجه الحكومة الإسرائيلية لفرض الأمر الواقع على الأرض. وأضاف أن اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الداخلية في إسرائيل قد يزيد من ميل الحكومة لاتخاذ إجراءات تصعيدية أو استباقية داخلية، بما يخدم خطابها السياسي ويعزز منطق الردع أو التحشيد.
وختم بالتأكيد على أن استثمار إسرائيل للظرف الإقليمي الراهن يشكل عاملًا خطيرًا، خصوصًا مع تصاعد نفوذ التيار اليميني المتطرف داخل السياسة الإسرائيلية وسعيه لتغيير المعالم الجغرافية والديموغرافية للقضية الفلسطينية. ورأى أن أي تقاعس أو تأخير في مواجهة هذه المسارات قد ينعكس لاحقًا على فرص التسوية السياسية ويعمّق تعقيد المشهد الإقليمي والقانوني.

التعليقات