التخطي إلى المحتوى

يرى الناقد الفني طارق الشناوي أن موجة الجدل التي تطال بعض الأغاني والأعمال الفنية في الوقت الراهن ليست منفصلة عن تغيّر طريقة استقبال الجمهور للفن، مؤكدًا أن الحساسية الزائدة أصبحت سمة أوضح في النقاشات الحالية مقارنة بما كان يحدث في فترات سابقة. ويشدّد الشناوي على أن فهم العمل الفني لا يمكن أن يتم عبر اقتطاع كلمة أو مشهد من محتواه، بل عبر النظر إلى سياقه الكامل وما يحيط به من إطار درامي أو سردي يحدد المقصود.

وأوضح الشناوي خلال مداخلة هاتفية في برنامج صباح البلد على قناة صدى البلد أن أغنية «يا ولا يا ولا» التي قدمها الفنان عبد الغني السيد تعد مثالًا حيًا على اختلاف المعنى باختلاف السياق. فالكلمة «ولا» يمكن أن تُفهم على أنها «ولدًا» عند التعامل معها بمعزل عن العمل، لكن في سياق الفيلم التي جاءت ضمنه، كان مضمون الأغنية يدور حول امرأة جميلة ترقص أمام شخصية العمل، ما يجعل المقصود مختلفًا تمامًا عن الفهم الحرفي المنفصل عن السرد.

ويؤكد الناقد أن الجمهور وقت تقديم الأغنية في إطارها الفني كان قادرًا على التقاط الإشارة الدرامية وفهم المراد، ولم يكن يتعامل مع استخدامها باعتبارها إشكالية تستدعي إثارة جدل واسع. فالمعنى في الفن ليس ثابتًا بمعزل عن البناء العام، بل يتشكل من علاقته بالحدث والشخصيات والهدف السردي.

وبحسب الشناوي، فإن السنوات الأخيرة شهدت مستوى أعلى من الحساسية عند استقبال بعض الأعمال، وهو ما ينعكس على سرعة التحول من مجرد تلقي فني إلى جدل حول مضمون الأغنية أو تفسير كلماتها. ويضيف أن طبيعة النقاشات تغيرت أيضًا؛ إذ باتت أجزاء من الأعمال تنتشر بشكل منفصل عبر منصات التواصل، فتصل مقتطفات من الحوار أو كلمات من الأغنية إلى الجمهور دون سياقها، مما يفتح الباب لتأويلات متباينة.

ولفت إلى أن أعمالًا فنية قُدمت في سنوات سابقة، ولا سيما خلال عامي 2005 و2006، حملت قدرًا أكبر من الجرأة مقارنة ببعض ما يُطرح اليوم، لكنها لم تواجه المستوى نفسه من الجدل. ويعزو ذلك إلى اختلاف البيئة الثقافية والإعلامية ودرجة الانتباه لما يثار حول الأعمال الفنية، فضلًا عن تأثير طريقة تداول المحتوى التي تجعل الكلمات أو المشاهد تُقرأ خارج إطارها.

ويؤكد الشناوي أهمية اعتماد معيار أشمل عند تقييم العمل الفني، من خلال فهم الرسالة التي يقدمها ضمن نصه ومرجعيته الثقافية والدرامية، بدلًا من الاكتفاء بعبارة مفردة أو لقطة قصيرة. ويشير إلى أن اختلاف الأذواق وطرق استقبال الفنون أمر طبيعي، وأن الحكم على العمل ينبغي أن يكون مرتبطًا بسياقه الفني والثقافي حتى لا تتحول القراءة الحرفية إلى مصدر لاتهامات أو سوء فهم.

ختامًا، يرى طارق الشناوي أن الحوار حول الأعمال الفنية يمكن أن يكون منتجًا عندما ينطلق من فهم السياق لا من اقتطاع المعاني. فالفن، مهما اختلفت تفسيرات الجمهور له، يعتمد في جوهره على البنية التي تُقدَّم من خلالها، ويظل المعنى الحقيقي حاضرًا في علاقته بالعمل ككل.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *