شهد كوكب الأرض عبر تاريخه الجيولوجي الطويل سلسلة من الانقراضات الجماعية التي غيّرت مسار الحياة على نحو جذري. وتشير الأدلة التي جمعتها السجلات الأحفورية والنماذج الجيولوجية إلى أن هناك خمسة أحداث رئيسية للانقراض الجماعي وقعت خلال آخر نحو 500 مليون سنة، أزالت أعدادًا هائلة من الأنواع وأعادت تشكيل النظم البيئية العالمية. وعلى الرغم من اختلاف تفاصيل كل حدث، فإن القاسم المشترك يتمثل في حدوث اضطراب سريع أو شديد في المناخ والبحار والكيمياء الحيوية—بحيث تفوق سرعة التغيّر قدرة كثير من الكائنات على التكيّف.
## 1) انقراض أواخر العصر الأوردوفيشي: بداية موجة كبرى قبل 444 مليون سنة
يُعد انقراض أواخر العصر الأوردوفيشي أول الانقراضات الخمسة الكبرى، وقد وقع قبل نحو 444 مليون سنة. في ذلك الوقت كانت الحياة على الأرض تتمحور غالبًا داخل المحيطات، ومن أشهر الكائنات ثلاثيات الفصوص والعضديات الذراع والمرجان. تشير التقديرات إلى أن أكثر من 86% من الأنواع اختفت خلال هذا الحدث.
يرجّح العلماء أن السبب الرئيسي كان تغيرًا مناخيًا قاسيًا تمثل بانخفاض حاد في ثاني أكسيد الكربون وتبريد سريع أدى إلى اتساع رقعة الجليد. ومع حدوث عصر جليدي عالمي تقريبًا، انكمشت مساحات البحار الضحلة التي تعتمد عليها كائنات كثيرة في التغذي والتكاثر، فتقلصت البيئات المناسبة. وإثر ذوبان الجليد وعودة مستويات سطح البحر للارتفاع، لم تعُد الأمور فورًا إلى طبيعتها، بل شهدت النظم البيئية فترة اضطراب إضافية قبل أن تبدأ الحياة في استعادة تنوعها تدريجيًا.
## 2) انقراض أواخر العصر الديفوني: كارثة ممتدة قبل 372 مليون سنة
وقع الانقراض الجماعي الثاني قبل نحو 372 مليون سنة، ويمتاز بأنه لم يكن حدثًا مفاجئًا واحدًا بقدر ما كان سلسلة طويلة من الاضطرابات امتدت لملايين السنين. وفق كثير من التحليلات، اختفت خلاله نحو 75% من أشكال الحياة، وكان الضرر الأكبر عادةً على الكائنات البحرية والشعاب المرجانية.
تُبرز إحدى أشهر الفرضيات دور النباتات التي بدأت في الانتشار على اليابسة. فمع تطور النباتات وتغلغل جذورها في التربة، زادت عمليات تجوية الصخور وتحوّل المغذيات، الأمر الذي قد ينتهي بوصول كميات أكبر من العناصر الغذائية إلى الأنهار ثم المحيطات. ووفق هذه الفكرة، قد يؤدي ذلك إلى نمو مفرط للطحالب (ازدهار حيوي)، ما يستهلك الأكسجين في المياه عند تحلل الكتلة الحيوية، مسببًا مناطق واسعة من نقص الأكسجين أو ظروف شديدة السوء تُعرف بـ نقص الأكسجة (Anoxia). وبسبب حساسية كثير من الكائنات البحرية للأكسجين، يصبح الانهيار البيئي هنا سريعًا حتى لو لم يكن التغير المناخي وحده هو العامل.
مع ذلك، ما يزال النقاش قائمًا حول عوامل أخرى محتملة ترافقت أو عززت الأزمة، مثل النشاط البركاني أو تأثيرات كونية كالاصطدامات أو تغيّرات مناخية متقطعة. وغالبًا ما تشير الدراسات الحديثة إلى أن “تركيبة” من عدة عوامل قد عملت معًا بدلًا من سبب واحد فقط.
## 3) انقراض العصر البرمي–الترياسي: “الموت العظيم” قبل 252 مليون سنة
يُعد انقراض البرمي–الترياسي أعنف الانقراضات الجماعية المعروفة في تاريخ الأرض. وقع قبل نحو 252 مليون سنة، وتقدّر الدراسات أن نسبة كبيرة جدًا من الأنواع—تتراوح غالبًا بين 90 و96%—اختفت خلاله، لذلك اشتهر باسم “الموت العظيم” The Great Dying.
ترتبط الكارثة بثورات بركانية ضخمة جدًا حدثت في منطقة سيبيريا (مرتفعات الفخاخ السيبيرية). ويعتقد أن هذه الثورات استمرت لزمن طويل نسبيًا على المقاييس الجيولوجية، وأطلقت كميات هائلة من الغازات الدفيئة والمواد التي غيّرت كيمياء الغلاف الجوي. كانت النتيجة ارتفاعًا في درجات الحرارة عالميًا، وتحَمّض المحيطات بسبب زيادة انحلال ثاني أكسيد الكربون في المياه، إضافة إلى انخفاض مستويات الأكسجين في البحار.
وعندما تتزامن الحرارة مع تحَمّض البحر ونقص الأكسجين، تصبح الحياة—وخاصة في النظم البحرية—أكثر عرضة للانهيار. كما أن موجات الانقراض لم تكن متزامنة فقط مع البحر؛ إذ تشير الأدلة إلى خسائر كبيرة في مجموعات واسعة من الحياة على اليابسة أيضًا. وتُظهر بعض القراءات لخط زمني الحدث أنه استمر لآلاف أو عشرات آلاف السنين، ما يدل على أن تغيّر الظروف كان شديدًا ومستمرًا، ودفع الأنظمة البيئية إلى ما يشبه نقطة الانهيار.
## 4) انقراض العصر الترياسي–الجوراسي: نهاية مرحلة وبداية صعود الديناصورات قبل 201 مليون سنة
وقع الانقراض الجماعي الرابع قبل نحو 201 مليون سنة، عند نهاية العصر الترياسي وبداية العصر الجوراسي. اختفى خلاله نحو 70 إلى 76% من الأنواع، وكانت الخسائر بارزة في مجموعات بحرية وأيضًا في بعض الزواحف والنباتات. ورغم أن الحدث كان كارثة، فإنه مهّد—ضمن سياق مناخي وتنافسي جديد—لصعود مجموعات حيوية لاحقًا، ومن بينها الديناصورات التي توسعت وانتشرت خلال الجوراسي.
تشير الفرضيات إلى أن السبب الأساسي كان نشاطًا بركانيًا ضخمًا في منطقة “مقاطعة المقاطع الصهارية بالأطلسي الأوسط” (Central Atlantic Magmatic Province). فأطلقت هذه الثورات كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون والمواد المحفِّزة للاحترار. ومع ارتفاع الحرارة وتزايد تحمّض المحيطات، أصبحت شروط الحياة أكثر قسوة على أنماط كثيرة.
ومع ذلك، لم يُمحَت الحياة بالكامل؛ إذ استمرت بعض الخطوط التطورية، ومع اختفاء جزء كبير من المنافسين تحررت “مساحات” بيئية في البر والبحر، فصار من الأسهل لبعض الكائنات—ومنها الديناصورات—أن تزداد أعدادها وتحتل الأدوار البيئية التي كانت مشغولة سابقًا.
## 5) انقراض الطباشيري–الباليوجيني: نهاية الديناصورات غير الطيرية قبل 66 مليون سنة
يُعد انقراض الطباشيري–الباليوجيني من أشهر الانقراضات الجماعية في الوعي الشعبي والعلمي، ووقع قبل نحو 66 مليون سنة. اختفت خلاله قرابة 75% من الأنواع، وكانت الخسائر الأكبر بين الديناصورات غير الطيرية، في حين نجت الديناصورات الطيرية التي تطورت لاحقًا إلى الطيور الحديثة.
يرتبط السبب الرئيسي بانفجار كوني: اصطدام كويكب ضخم بمنطقة يوكاتان في المكسيك. وتشير تقديرات الحجم إلى أن قطر الكويكب كان في حدود 10 إلى 15 كيلومترًا، وهو ما أدى إلى تكوين حفرة Chicxulub وإطلاق سلسلة متتابعة من الكوارث. تضمنت هذه السلسلة موجات تسونامي وحرائق واسعة وارتفاعًا حادًا في الحرارة، إضافة إلى قذف كميات هائلة من الغبار والرماد والحطام إلى الغلاف الجوي.
النتيجة كانت “ظلامًا عالميًا” نسبيًا وحجبًا لأشعة الشمس، مما أدى إلى برودة سريعة واضطراب البناء الضوئي في النباتات والكائنات التي تعتمد على الضوء. وحين يضعف الإنتاج الغذائي الأساسي، تنهار سلاسل الغذاء في البحر والبر معًا، فتتسارع خسائر التنوع البيولوجي. كما تشير بعض الفرضيات إلى أن ثورات بركانية ضخمة مرتبطة بديكان في الهند ربما ساهمت في تعظيم أثر الاضطراب خلال الفترة نفسها، ما يعني أن الحدث الكوني قد تزامن مع عوامل تضخيم بيئية.
## ماذا نستفيد من هذه الأحداث الخمسة؟
تبرز هذه الانقراضات الخمسة كدروس متكررة حول كيف يمكن لاضطرابات كيمياء الجو والبحار—عبر الاحترار، أو الجفاف، أو نقص الأكسجين، أو حموضة المحيط—أن تدفع الحياة إلى عتبات حرجة. كما تُظهر أن بعض الأحداث كانت مرتبطة بعوامل طبيعية واحدة واضحة (مثل الاصطدام في النهاية الطباشيرية)، بينما كانت أحداث أخرى (مثل الانقراضات المرتبطة بالنشاط البركاني أو تغيّر المناخ) غالبًا ما تمثّل “سلسلة” من التغيرات المتداخلة.
ومن دون الخوض في ادعاءات غير محسومة، فإن الفكرة الأوسع التي يشير إليها العلماء هي أن سرعة التغيّر وعمقه—سواء كان سببها مناخًا شديدًا أو نشاطًا بركانيًا أو اصطدامًا—هي ما يحدد قدرة الأنظمة البيئية على الصمود. وعندما يتزامن الضغط على عدة جبهات في وقت قصير نسبيًا، يصبح خطر الانهيار البيئي أعلى بكثير.

التعليقات