بدأ مشروع الميتافيرس كأكبر رهانات مارك زوكربيرج بعد تغيير اسم شركة فيسبوك إلى Meta، بهدف تحويل تكنولوجيا الواقع الافتراضي إلى بوابة لمستقبل الإنترنت عبر نظارات Quest ومنصات العوالم الافتراضية. لكن السنوات التي تلت إعلان الرؤية كشفت واقعًا مختلفًا: تراجع في سرعة النمو، ونفقات ضخمة لم تحقق عوائد متناسبة، ما دفع الشركة إلى إعادة توجيه المشروع وتقليصه بدلًا من توسيعه.
وبحسب الأرقام المالية الرسمية، تراكمت الخسائر التشغيلية لصالح قسم Reality Labs منذ بداية 2021 وحتى نهاية النصف الأول من 2026 لتصل إلى نحو 85.6 مليار دولار. ويضم القسم منظومة واسعة تتجاوز مجرد Horizon Worlds، بما في ذلك نظارات Quest والواقع المعزز والنظارات الذكية والبرمجيات المرتبطة بها، لذلك لا تعكس هذه الخسائر تكلفة منصة العوالم الافتراضية وحدها، لكنها تشير بوضوح إلى حجم الإنفاق على البنية التقنية والرؤية التي رُبطت بمشروع الميتافيرس.
خسائر ضخمة وتفاوت كبير بين الإيرادات والنفقات
أظهرت النتائج المالية أن Reality Labs تكبد خسارة تقارب 19.193 مليار دولار خلال عام 2025، مقابل إيرادات لم تتجاوز 2.207 مليار دولار. وفي النصف الأول من 2026 ارتفعت الخسائر التشغيلية إلى 8.647 مليار دولار، مقابل إيرادات قدرها 833 مليون دولار. بمعنى آخر، كانت الخسائر تفوق الإيرادات بأكثر من عشر مرات، وهو مؤشر يفسر توجه المستثمرين والسياسات الداخلية نحو خفض الإنفاق وتعديل الأولويات.
وفي سياق تلك التوجهات، نُقل عن تقارير مالية أن Meta ناقشت خفض ميزانية مجموعة الميتافيرس بما يصل إلى 30% ضمن خطتها لعام 2026، وهو ما انعكس إيجابيًا على سهم الشركة بعد انتشار الخبر، إذ رأى بعض المستثمرين أن تقليص الإنفاق قد يحد من مسلسل الخسائر.
تسريح وتغييرات في المنتجات: تقليص ما لا يجذب الجمهور
لم تقتصر التعديلات على الميزانيات فقط. فقد أشارت تقارير إعلامية إلى أن Meta سرحت نحو 10% من موظفي Reality Labs، وأغلقت عدة استوديوهات كانت تعمل على ألعاب الواقع الافتراضي. كما تضمنت القرارات وقف دعم محتوى جديد لتطبيق اللياقة البدنية Supernatural، وإنهاء منصة العمل والاجتماعات الافتراضية Horizon Workrooms.
هذه الخطوات تعني عمليًا أن الشركة بدأت تفرّق بين التكنولوجيا التي ما زالت ترى فيها مستقبلًا، وبين المنتجات التي لا تحقق زخمًا كافيًا أو لا تبرر تكلفة التطوير والتشغيل على المدى القريب.
تحوّل Horizon Worlds: من النظارة إلى الهاتف
من أبرز التحولات قرار فصل Horizon Worlds عن نظارات Quest وتوجيه تطوير العوالم الافتراضية بصورة شبه كاملة إلى الهواتف. وورد ذلك في مقال رسمي بعنوان “Our Renewed Focus in 2026” نشرته سامانثا رايان، نائبة رئيس المحتوى في Reality Labs، حيث أقرت Meta بأن صناعة الواقع الافتراضي لم تحقق النمو والسرعة التي كانت تأملها.
وفقًا لطرح Meta، فإن الوصول إلى سوق أوسع عبر الهواتف هو الطريق الأكثر واقعية لمواجهة المنافسين في ألعاب وتطبيقات اجتماعية مثل Roblox وFortnite. وتوضح الشركة أن جزءًا كبيرًا من الوقت داخل نظاراتها لا يذهب إلى منتجات Meta نفسها، بل إلى تطبيقات وألعاب يطوّرها طرف ثالث، ما يعكس أن النظام البيئي للواقع الافتراضي ما زال يبحث عن “منتج قائد” يضمن جذب الجمهور والاستمرار.
كما ذكرت Meta أن العوالم المصممة للهواتف تجاوزت 2,000 عالم، وأن عدد المستخدمين النشطين شهريًا على الهاتف تضاعف أكثر من 4 مرات خلال 2025. ورغم ذلك، لم تكشف الشركة عن رقم المستخدمين الإجمالي، وهو ما يجعل قراءة حجم الجمهور الفعلي أكثر صعوبة مقارنةً بأرقام النمو.
تراجع عن إغلاق كامل: استمرارية محدودة لنظارات Quest
يشير جزء من التقارير إلى أن Meta كانت قد اتخذت خطوات أولية لإيقاف Horizon Worlds على Quest، قبل التراجع بعد اعتراضات المستخدمين. ووفق تصريحات من أندرو بوسورث مدير التكنولوجيا في Meta، فإن الألعاب والعوالم الموجودة ستظل متاحة عبر الواقع الافتراضي في المستقبل المنظور، لكن الشركة لن تركز على إنتاج ألعاب جديدة أو ضخ استثمارات كبيرة مخصصة حصريًا لنسخة النظارات.
هذا التفصيل مهم لأنه يوضح أن الشركة لا تتعامل مع المشروع كفشل نهائي بالضرورة، بل كتحوّل إستراتيجي: الاستمرار في توفير المحتوى الحالي على النظارات، لكن نقل “محور الاستثمار” إلى ما يملك فرصًا أعلى للانتشار الجماهيري.
أرقام الاستخدام تشير إلى عائد محدود
تشير تقارير تقنية إلى أن Horizon Worlds حقق نحو 45 مليون عملية تنزيل إجمالية على iOS وAndroid، لكنه لم يحقق سوى حوالي 1.1 مليون دولار من إنفاق المستخدمين. وبالمقارنة مع حجم الأموال التي استثمرتها Meta، يظل الإيراد غير كافٍ لتبرير تكلفة المشروع كما كان متوقعًا في مرحلة إعلان الميتافيرس.
ما الذي تعنيه هذه القرارات فعلًا؟
لا تعني هذه التعديلات أن Meta أغلقت كل ما يتعلق بالواقع الافتراضي. فهي ما زالت تطور نظارات Quest وتدعم ألعابًا ومنتجات يطرحها مطورون مستقلون. لكن مجمل المؤشرات—الخسائر المتصاعدة، تسريح الموظفين، إغلاق الاستوديوهات، وقف أجزاء من منصات وخدمات Reality Labs، والتحول الواضح في Horizon Worlds نحو الهاتف—يوحي بأن “الميتافيرس” بصورته الأصلية كطريق بديل مرتقب للإنترنت عبر النظارات، فقد الزخم الذي كان يُفترض أن يقوده.
اليوم يبدو المشروع أقرب إلى كونه منصة ترفيه رقمية تتعلم كيف تجد جمهورها داخل الهاتف بدل أن تكون بوابة مستقبلية شاملة. وبالنسبة لـ Meta، قد يكون هذا إعادة تعريف للمكسب: تقليل الخسائر، واستثمار أكثر في ما ينتشر أسرع، مع ترك باب الواقع الافتراضي مفتوحًا لكن دون الالتزام المطلق بالرؤية كما كانت في بدايتها.

التعليقات