أكد الدكتور محمد معيط، المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي، أن الحكم على أداء الاقتصاد لا يمكن اختزاله في مؤشر واحد فقط، بل يتطلب تقييمًا متكاملًا يعتمد على مجموعة من البيانات المالية والنقدية والاقتصادية التي تمنح صورة أدق عن قوة الاقتصاد وقدرته على مواجهة الصدمات.
وشدد معيط، خلال مداخلة هاتفية لبرنامج “كلمة أخيرة” عبر فضائية “أون”، على أهمية متابعة الاحتياطيات النقدية لدى الدولة لأنها تعكس قدرة الاقتصاد على دعم الاستقرار الخارجي وتمويل الاحتياجات بالعملة الأجنبية، كما أن التضخم يعد من المؤشرات الجوهرية لقياس تآكل القوة الشرائية وتأثير السياسات على مستويات الأسعار. وأضاف أن أسعار الفائدة تمثل كذلك عنصرًا حاسمًا في توجيه حركة الائتمان والسيولة، بما يؤثر على الاستثمار والطلب المحلي، فضلاً عن أن حجم السيولة المتاحة داخل السوق يعكس مدى توفر الموارد للنشاط الاقتصادي.
وأشار إلى أن تحقيق الدولة فائضًا أوليًا يقارب 5% يُعد خطوة لافتة ضمن مسار تحسين مؤشرات المالية العامة، لأنه يعكس قدرة الإيرادات على تجاوز المصروفات قبل احتساب تكاليف خدمة الدين وفوائده، وهو ما يساهم في تخفيف الضغوط على الموازنة ويمنح مجالًا أكبر لتنفيذ أولويات التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
كما أوضح معيط أن مسار العجز الإجمالي للموازنة بدأ في التحسن، مع تسجيل تراجع تدريجي في مستوياته، بما يعكس تقدمًا في جهود ضبط الإنفاق وتعزيز كفاءة إدارة الموارد. ووفقًا لهذا التوجه، فإن تحسن أوضاع المالية العامة لا يرتبط فقط بتسجيل أرقام في الموازنة، بل يمتد أثره إلى تقليل الاعتماد على التمويل المكلف، وتحسين توقعات الأسواق، ودعم قدرة الاقتصاد على الصمود أمام التحديات المتراكمة.
وبالربط بين المؤشرات المختلفة، أكد معيط أن استمرار تحسين الانضباط المالي، إلى جانب السيطرة على مستويات التضخم واتزان السيولة، من شأنه تعزيز بيئة أكثر استقرارًا للاستثمار والإنتاج، وتقليل المخاطر المرتبطة بتقلبات أسعار الصرف وتكاليف التمويل. كما شدد على أن أي تقييم اقتصادي شامل ينبغي أن يأخذ في الاعتبار تفاعل هذه العناصر معًا، لأن تأثير الاحتياطي والتضخم والفائدة والسيولة يتقاطع مباشرة مع مسار العجز والقدرة على تمويل الاقتصاد.
وفي النهاية، شدد الدكتور محمد معيط على أن المسار الإيجابي في المالية العامة—كما يظهر من الفائض الأولي وتحسن العجز—يمثل مؤشرًا مهمًا، لكنه يبقى جزءًا من “حزمة متكاملة” تشمل أيضًا المؤشرات النقدية والسعرية والسيولة، لضمان قراءة دقيقة للوضع الاقتصادي ووضع سياسات أكثر فعالية لمعالجة الاختلالات.

التعليقات