لأول مرة، تتجه مصر لتوسيع إنتاج مستلزمات طبية جديدة مع الحفاظ على استمرارية التوريد للقطاع الصحي، في وقت يشهد فيه سوق المستلزمات الطبية تغيرات متسارعة في تكاليف الخامات والشحن والنقل وأعباء الأجور وتذبذب أسعار الصرف. وفي هذا السياق، أعلنت الشعبة العامة للمستلزمات الطبية بغرفة القاهرة التجارية أن هيئة الشراء الموحد وافقت على إعادة دراسة تعديل أسعار بعض المنتجات الموردة للهيئة، بما يعكس الارتفاع الملحوظ في تكاليف الإنتاج وسلاسل الإمداد.
موافقة على مراجعة الأسعار بسبب ارتفاع التكاليف
قال محمد إسماعيل عبده، رئيس الشعبة العامة للمستلزمات الطبية بالغرفة التجارية بالقاهرة، إن الهيئة ستعيد دراسة تعديل أسعار عدد من منتجات المستلزمات الطبية المتعاقد عليها، وذلك على ضوء الارتفاع في أسعار الخامات وارتفاع تكاليف الشحن والنقل والأجور، إضافة إلى تذبذب أسعار الصرف. وأوضح عبده أن الهدف هو ضمان قدرة المصنعين والتجار المشاركين في التوريد على الاستمرار في تلبية احتياجات المستشفيات والمراكز الطبية دون تعثر بسبب تغيّر التكلفة الفعلي.
ضوابط توريد جديدة لتنظيم الكميات ورفع كفاءة التسليم
وبحسب البيان الصادر عن الشعبة، ناقش وفد الشعبة مع الدكتور هشام أبو عوفَت، رئيس هيئة الشراء الموحد، ضرورة تعديل الأسعار بالتوازي مع وضع ضوابط جديدة لعمليات التوريد. ومن أبرز المقترحات التي طرحتها الهيئة: تقسيم موردي الهيئة إلى دفعتين، بحيث يتم توريد كل دفعة مرة كل شهرين، بما يسمح بتوزيع أكثر توازنًا للأحمال اللوجستية ويراعي احتياجات المستشفيات والمراكز الطبية.
كما شملت الضوابط المقترحة مواءمة كميات التوريد مع متطلبات جهات المنظومة الصحية، والتي تشمل منشآت وزارة الصحة، وهيئتي التأمين الصحي والتأمين الصحي الشامل، إضافة إلى المراكز والمستشفيات الجامعية. ويهدف هذا التنظيم إلى تقليل ضغط التسليم على نحو يضمن وصول المنتجات في المواعيد المطلوبة، مع وضع حد أقصى لفترة التوريد من إصدار أمر التوريد حتى تمام التسليم لا تتجاوز 35 يومًا.
تجزئة المحافظات إلى مجموعات لتسهيل عمليات التسليم
ولتعزيز قابلية تطبيق الضوابط الجديدة على أرض الواقع، قرر مجلس إدارة الشعبة العامة للمستلزمات الطبية تشكيل لجنة برئاسة الدكتور أحمد المسلمي، نائب رئيس الشعبة، لدراسة هذه الضوابط وتقديم مقترحات عملية للتعامل معها. ومن ضمن الرؤى التي ناقشها الأعضاء تقسيم محافظات مصر إلى عدة مجموعات، على أن تصدر أوامر التوريد لكل مجموعة على حدة.
وتتمحور فكرة التقسيم حول طبيعة التسليم الذي يتم على مستوى كل مستشفى أو مركز طبي ضمن منظومة الشراء الموحد، من الإسكندرية حتى أسوان. كما طُرح أن يتم التسليم عبر المديريات الصحية التي تتولى بدورها توزيع الكميات على المستشفيات والمراكز الطبية التابعة لها، بما يحقق انضباطًا في سلاسل التوريد وتقليلًا للتأخير.
التأكيد على استمرار نجاح منظومة الشراء الموحد
وشدد عبده على أن نجاح منظومة الشراء الموحد يتطلب تعاون ثلاثة أطراف معًا: هيئة الشراء الموحد، وأعضاء الشعبة العامة للمستلزمات الطبية، إلى جانب الضلع الثالث المتمثل في المستشفيات والمراكز الطبية. وأوضح أن الشعبة تدعم جهود الهيئة لتوفير كامل احتياجات المريض، لكنها ترى أن الاستمرارية والفعالية تتحقق فقط عندما تتكامل الأدوار عبر المنظومة.
تعميق الصناعة المحلية ودعم التصنيع
أكد رئيس الشعبة العامة للمستلزمات الطبية أن الشعبة تعمل على تعميق الصناعة المحلية وتوسيع مساهمة القطاع الصناعي في توفير مستلزمات السوق. وأشار إلى أن 65% من إجمالي أصناف المستلزمات الطبية المقدرة بنحو 8500 صنف باتت تُصنَّع محليًا خلال أقل من أربعة عقود. واستند في ذلك إلى التطور الملحوظ؛ إذ كانت مصر في عام 1983 تنتج محليًا الشاش الطبي والحقنة الشرجية فقط، ثم توسع الإنتاج لاحقًا ليشمل السرنجات.
فرص أكبر للتصدير وزيادة الاستثمار
ولفت عبده إلى أن الصناعة المحلية لم تقتصر على تلبية احتياجات السوق المحلية، بل دخلت مجال التصدير إلى أسواق عربية وأفريقية. وأعرب عن أمل الشعبة في مضاعفة أرقام التصدير والإنتاج عشر مرات خلال السنوات العشر المقبلة.
كما أشار إلى أن القطاع الصناعي استفاد من مبادرة تيسير الاقراض الصناعي وخفض سعر الفائدة إلى 5%، ووجّه دعوة لكبار التجار أعضاء الشعبة للدخول في المجال الصناعي ولو بوصفهم شركاء مع كبار المصنعين المحليين، بما يتيح توسيع خطوط الإنتاج وضخ استثمارات جديدة.
بدء تصنيع منتجات طبية للمرة الأولى في مصر وخطط توسع
وكشف عبده عن بدء تصنيع ثلاث مستلزمات طبية لأول مرة في مصر باستثمارات مصرية بالكامل. وأوضح أن العديد من المصنعين الأعضاء يخططون لضخ استثمارات جديدة وإضافة خطوط إنتاج لأصناف إضافية. وفي هذا الإطار، وجه تحية للدكتور خالد رافت عليان والدكتور عمر إسماعيل لما حققاه من طفرة في الصناعة المحلية، حيث نجحا في إنتاج أدوات الاختبار السريعة للكشف عن فيروسات، وهو ما ارتفع الطلب عليه بشكل كبير خلال جائحة فيروس كورونا.
مبادرات حكومية لدعم المصانع المتعثرة وربطها بالمستثمرين
من جانبه، أشاد الدكتور أحمد المسلمي بجهود وزير الصناعة المهندس خالد هاشم وإطلاقه عدة مبادرات لخدمة القطاع الصناعي. وذكر ضمن المبادرات مبادرة تعويم/إنقاذ المصانع المتعثرة لأسباب مالية عبر الربط بينها وبين الراغبين في الاستثمار داخل مصر. وأكد أن الشعبة يمكن أن تستفيد من هذه المبادرة عبر جمع كبار تجار القطاع الراغبين في دخول المجال الصناعي، مع الشركات العاملة التي تحتاج إلى تمويل لتوسيع استثماراتها الصناعية، بما يضمن توفر الخبرة الفنية إلى جانب رأس المال العامل وقنوات توزيع قوية للمنتجات.
قضايا قانونية واستقطاعات مالية محل مراجعة
وفيما يتعلق بقضايا أخرى ناقشها اجتماع الشعبة العامة، أشار عبده إلى تشكيل لجنة لدراسة الموقف القانوني للاستقطاعات التي تخصم من مستحقات المتعاملين مع هيئة الشراء الموحد من أعضاء الشعبة. وتشمل هذه الاستقطاعات رسومًا تخص حساب ضريبة الدمغة التي تُحصَّل لصالح اتحاد النقابات الطبية الأربع، إضافة إلى رسوم تُستقطع لمصلحة نقابتي المهندسين والتطبيقيين.
وبيّن عبده أن هذه الرسوم – وفقًا لما تراه الشعبة – غير قانونية، مشيرًا إلى أن الدمغة الطبية وفق قانون إصدارها كمورد مالي للنقابات الطبية نصت على فرضها على ما يقدمه الأطباء بجميع تخصصاتهم للمرضى داخل المستشفيات والمراكز الطبية، وبالتالي فإن خصمها من مصنعي وتجار ومستوردي المستلزمات الطبية يُعد غير قانوني أيضًا. كما اعتبرت الشعبة أن طريقة التحصيل تمثل ازدواجًا صارخًا، حيث قد يسددها المصنع عند البيع للموزع ثم يسددها الموزع عند البيع للتاجر، ثم يسددها التاجر عند البيع والتوريد للمستشفى، ما يؤدي إلى تحصيلها أكثر من مرة.
وأكدت الشعبة أنها ستتقدم بمذكرة إلى لجنة الصحة في مجلسي النواب والشيوخ لشرح جوانب الازدواج وعدم قانونية تحصيل الدمغة الطبية من أعضاء القطاع. كما طلبت الشعبة تفسيرًا لقانون إنشاء اتحاد النقابات الطبية من لجنة التفسير التشريعي بمجلس النواب، لكون الاستقطاعات المالية تمثل عبئًا كبيرًا على قطاع المستلزمات الطبية ولا تدخل – بحسب طرح الشعبة – الخزانة العامة للدولة، وإنما تُوجَّه لحساب جهات خاصة تخدم فئات محددة من الأطباء.
لجنة لحل مشكلات القطاع مع الجهات المعنية
واختتم عبده بالإعلان عن تشكيل لجنة لدراسة مشكلات القطاع مع هيئة الدواء، إضافة إلى لجنة من شباب الشعبة لتكثيف التواصل مع المجتمع التجاري لقطاع المستلزمات الطبية. وتهدف هذه اللجان إلى تسريع رفع التحديات ومعالجة المشكلات بشكل عملي، بما يضمن استقرار سلاسل الإمداد واستمرار توافر المنتجات الطبية للمريض.
وبذلك، تجمع القرارات بين جانبين متكاملين: مراجعة مالية داعمة لتكاليف الإنتاج والتوريد، وتنظيم لوجستي يحد من التأخير ويعزز انتظام التسليم، بالتوازي مع جهود أوسع لتعميق الصناعة المحلية وتوسيع الاستثمار والتصدير.

التعليقات