أظهرت بيانات حديثة أن الفئة العمرية 15-17 هي الأعلى بين الأطفال في امتلاك الهواتف الذكية، إذ بلغت نسبة الامتلاك 83%، تلتها الفئة العمرية 11-14 بنسبة 74%، بينما جاءت الفئة الأقل من 10 سنوات بأدنى نسبة بلغت 59%. وتعكس هذه النتائج اتساع الاعتماد المبكر على الأجهزة المتصلة بالإنترنت، بما يستدعي اهتمامًا أكبر بفهم المخاطر الرقمية التي قد يواجهها الأطفال والمراهقون.
وتأتي هذه المؤشرات ضمن نتائج دراسة رصدت واقع استخدام الأطفال للإنترنت والمخاطر الرقمية المرتبطة به في منطقة الشرق الأوسط وتركيا وإفريقيا، بالاستناد إلى تقرير “Growing Up Online” الصادر عن شركة كاسبرسكي. واعتمدت الدراسة على عينة ضمت 10 آلاف مقابلة عبر الإنترنت، شملت 5 آلاف زوج من أولياء الأمور وأطفالهم الذين تتراوح أعمارهم بين 3-17 سنة، موزعين على خمس دول من بينها مصر. وتساعد هذه المنهجية على فهم الفجوة بين ما يدركه الوالدان من مخاطر وما يعيشه الأطفال داخل البيئات الرقمية.
وتعد المخاطر الرقمية أحد أبرز التحديات التي تواجه النشء في العصر الرقمي، ولا سيما ما يعرف بالعنف الرقمي الذي يتخذ أشكالًا متعددة. من أبرز هذه الأشكال التنمر الإلكتروني عبر منصات التواصل، والابتزاز باستخدام صور أو معلومات شخصية، والاستدراج الذي يتم عبر حسابات أو رسائل تستهدف الأطفال، إلى جانب انتهاك الخصوصية والتهديد. وغالبًا ما تترك هذه الممارسات آثارًا سلبية تمتد من الضغوط النفسية إلى تراجع الثقة بالنفس، وقد تؤثر أيضًا على العلاقات الاجتماعية والتحصيل الدراسي.
كما تتزايد حدة المخاطر مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية المتصلة بالإنترنت. فقد أصبحت الألعاب جزءًا متزايدًا من الروتين اليومي لدى كثير من الأطفال والمراهقين، حيث يقضون ساعات طويلة أمام الهواتف الذكية أو الكمبيوتر أو منصات الألعاب المختلفة. وتخلق البيئات الافتراضية مساحة قد تتضمن تفاعلًا مباشرًا مع غرباء، ما قد يعرّض الطفل لمحتوى غير ملائم لعمره، أو لألفاظ مسيئة وسلوكيات عدوانية، أو حتى للتحريض على العنف.
ومن المخاطر المهمة أيضًا احتمال التعرض لمحتوى يتجاوز الحدود العمرية المخصصة للألعاب أو الفيديوهات المصاحبة لها. كما قد تميل بعض الألعاب إلى دفع المستخدمين نحو سلوكيات تنافسية أو عدوانية، أو إلى ممارسات تواصل غير مناسبة عبر الدردشة الصوتية أو الكتابية. وفي بعض الحالات، تُستخدم اللعبة كواجهة للاستدراج العاطفي أو لطلب معلومات شخصية أو حتى لطلب موارد مالية، خصوصًا عندما تتضمن اللعبة أساليب تفاعل اجتماعي وشخصنة للمستخدمين.
إضافة إلى ذلك، يمثل الإدمان الرقمي خطرًا متناميًا؛ إذ قد يؤدي الإفراط في اللعب أو التصفح إلى العزلة الاجتماعية وتقليل فرص التواصل الوجاهي، وضعف التحصيل الدراسي نتيجة ضياع الوقت أو تراجع التركيز. وقد ترتبط بعض المظاهر النفسية الشائعة مثل القلق والاكتئاب واضطراب النوم بزيادة الاستخدام غير المنظم للشاشات، خاصة عند غياب الرقابة أو وضع قواعد واضحة داخل المنزل.
ولتقليل هذه المخاطر، تبرز أهمية تعزيز “الوعي الرقمي” لدى الأطفال والمراهقين، وتدعيم دور الأسرة والمؤسسات التعليمية. ويشمل ذلك تعليم الطفل مبادئ الأمان مثل عدم مشاركة البيانات الشخصية، وكيفية الإبلاغ عن أي سلوك مؤذٍ أو محتوى غير مناسب، وشرح معنى الابتزاز والتنمر وكيفية التعامل مع الموقف وطلب المساعدة فورًا. كما يُنصح باستخدام أدوات الرقابة الأبوية وتفعيل إعدادات الخصوصية، ووضع حدود زمنية واقعية لاستخدام الأجهزة، وربط الاستخدام ببدائل ترفيهية وحركية تساعد على توازن الحياة اليومية.
وبحسب سياق الدراسة، فإن ارتفاع نسب امتلاك الهواتف الذكية لدى الفئات الأكبر سنًا لا يعني فقط سهولة الوصول إلى الخدمات التعليمية والترفيهية، بل يعني أيضًا زيادة احتمالية التعرض للتهديدات الرقمية إن لم ترافقه ممارسات حماية فعّالة. لذلك يصبح بناء ثقافة استخدام آمن ومتوازن ضرورة مجتمعية لحماية الأطفال في رحلة النمو داخل البيئات الرقمية.

التعليقات