حذّر خبير في تكنولوجيا المعلومات من مخاطر الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي عند اتخاذ قرارات مصيرية تمسّ جودة الحياة والمستقبل المهني، مؤكداً أن هذه التقنية—رغم تطورها السريع—لا تزال عاجزة عن الإحاطة بكل ما يلزم لاتخاذ قرار “نهائي” من دون مراجعة بشرية. وقال بافيل مياسويدوف، مدير وشريك في شركة IT-Reserve، إن خدمات الذكاء الاصطناعي الحديثة باتت تتفوق بالفعل في مهام روتينية كثيرة مثل جمع المعلومات وتحليلها، لكنها لا تُغني عن الإنسان عندما تتداخل الحقائق مع القيم والتفضيلات والظروف الشخصية.
حدود اتخاذ القرار: عندما تتجاوز المسألة الأرقام
أوضح مياسويدوف أن الشبكات العصبية تبرع في المقارنات الرقمية لأنها تعتمد على البيانات المتاحة والمعايير القابلة للقياس. فعند البحث عن شقة، قد تستطيع الخوارزميات مقارنة الأسعار، والمساحة، وقرب المرافق، والبنية التحتية، وكفاءة العقار من منظور تقني أو اقتصادي. لكن المشكلة تظهر عندما تكون “الراحة” و”الأسلوب” و”الملاءمة الأسرية” و”الأولويات الشخصية” عوامل لا يمكن قياسها بدقة عبر البيانات وحدها. فاختيار مكان السكن ليس قراراً اقتصادياً فقط؛ بل يتعلق أيضاً بطبيعة العائلة، ونمط الحياة اليومي، وتفضيلات الضجيج أو الخصوصية، ومدى الإحساس بالأمان، وحتى ظروف التنقل.
والأمر نفسه ينطبق على اختيار المسار المهني: إذ يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل الطلب على التخصصات، وتقييم المهارات، واستقراء اتجاهات سوق العمل، واقتراح مسارات بناءً على بيانات التوظيف. إلا أنه غالباً لا يستطيع تقدير الدوافع الداخلية بصورة كاملة، مثل معنى العمل بالنسبة للشخص، ومدى توافقه مع أهدافه الحياتية، وقيمه، وشغفه، وقدرته على الاستمرار والتعلم في المدى الطويل.
إجابات قد تختلف… والتحقق شرط
يشير الخبير إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي قد تقدم إجابات متباينة عن الاستفسار نفسه. فبعض الأنظمة أكثر دقة في تحليل البيانات والبحث عن المعلومات، بينما قد تتعثر أنظمة أخرى أو تنتج معلومات خاطئة. وتزداد خطورة الاعتماد على النتائج عندما تكون الإجابة “توليدية”؛ أي أنها تُصاغ تلقائياً بأسلوب مقنع حتى لو احتوت على خطأ.
لذلك شدد مياسويدوف على ضرورة التحقق من المخرجات مرتين على الأقل، عبر مصادر موثوقة أو بيانات أولية أو مراجعة مختصين، بدلاً من اعتبار نتائج النموذج بديلاً نهائياً عن التفكير والتحقق.
الإنسان صاحب القرار… والذكاء الاصطناعي أداة مساعدة
على الرغم من هذه القيود، يرى الخبير أن الشبكات العصبية أصبحت أداة فعالة لإدارة المعلومات وتوفير الوقت، خصوصاً في مهام مثل:
– إعداد الوثائق وصياغة مسودات التقارير.
– تحليل البيانات وتلخيصها.
– دعم الحسابات وتقديم خيارات أولية.
– تنظيم المعلومات وتحديد نقاط المقارنة.
ومع ذلك، يؤكد أن القرار النهائي—خصوصاً ما يرتبط بظروف الحياة—يجب أن يظل بيد الإنسان. فالمسؤولية عن اختيار منزل أو مسار مهني أو أي خطوة ذات تبعات طويلة المدى لا ينبغي أن تُسلّم بالكامل للآلة، لأن البشر يمتلكون القدرة على فهم السياق الإنساني وتقييم المخاطر الواقعية والمشاعر والتوقعات.
ماذا يعني ذلك عملياً؟ إطار استخدام آمن
ولتعزيز الاستفادة من الذكاء الاصطناعي دون الوقوع في فخ “الثقة العمياء”، يمكن اتباع نهج عملي يعتمد على: استخدام النموذج كمعين لا كحكم. على سبيل المثال، عند اتخاذ قرار السكن، يمكن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتجميع الخيارات ومقارنة المواصفات، ثم إتمام التحقق عبر زيارة الموقع، ومراجعة عقد الإيجار أو الملكية، وسؤال السكان أو الخبراء المحليين، ومراعاة احتياجات الأسرة الفعلية. وعند اختيار المسار المهني، يمكن استخدامه لتحديد مهارات مطلوبة وفرص محتملة، ثم التأكد من الملاءمة عبر تجارب واقعية مثل التدريب، أو مقابلات العمل، أو التعرف على محترفين في المجال.
كما تظل أهمية “أسلوب التعلم” حاضرة في سياق تأثير الذكاء الاصطناعي على الطلاب؛ إذ لا يرتبط التأثير بالتكنولوجيا نفسها فقط، بل بطريقة استخدامها وتوجيهه داخل عملية التعلم. لذلك، فإن دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم ينبغي أن يرافقه تطوير مهارات التفكير النقدي والتحقق، حتى لا يتحول المحتوى إلى إجابات جاهزة دون فهم.
خلاصة القول
إن الذكاء الاصطناعي قادر على تسريع العمل وتحسين تحليل المعلومات، لكنه لا يملك القدرة على استيعاب كل أبعاد القرار الإنساني. ومن ثم فإن أفضل ممارسة هي التعامل معه كأداة مساعدة: جمع بيانات، وتوليد أفكار أولية، وتقديم مقارنات—ثم ترك القرار النهائي للإنسان عبر التحقق والمراجعة والتقييم الواقعي للأهداف والقيم والظروف.

التعليقات