قال الدكتور جمال سلامة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة السويس، إن طهران استطاعت دبلوماسيًا إعادة ترتيب الأولويات لدى المجتمع الدولي، عبر نقل مركز الاهتمام من ملفها النووي إلى أزمة مضيق هرمز، مؤكدًا أن المضيق بات في المرحلة الحالية الورقة التفاوضية الأهم التي تستند إليها إيران في التعامل مع الضغوط الخارجية.
وأوضح سلامة أن الولايات المتحدة تلوّح بشكل مستمر بإجراءات قد تصل إلى الحصار البحري، ما يرفع كلفة أي توتر في الملاحة ويزيد الضغط على الاقتصاد الإيراني. في المقابل، ترى طهران أن مسألة فتح المضيق أو تقييد حركة الملاحة يمكن توظيفها كأداة تفاوضية، خصوصًا لأن المضيق يُعد شريانًا حيويًا لعبور جزء كبير من إمدادات الطاقة عالميًا. ولفت إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسعى—على المستوى السياسي الداخلي—إلى الوصول إلى تسوية يمكن تسويقها بوصفها إنجازًا أمام الناخب الأمريكي، بما يجعل إدارة الأزمة ترتبط أيضًا بحسابات التوقيت والرسائل.
وأضاف أن إيران، رغم تعرضها لضربات وأضرار كبيرة خلال مسار التصعيد، حاولت توظيف قدراتها في المجال التفاوضي والدبلوماسي لتقليل المكاسب الخسائرية المباشرة وتحويل مسار الأزمة إلى مساحات تفاوضية أوسع. وأشار إلى أن حضور ورقة مضيق هرمز بهذا الشكل لم يكن قائمًا بنفس القوة قبل اندلاع التصعيد الأخير، ما يعني أن طهران تعيد هندسة ملفها الخارجي وفقًا لواقع الضغط والوقائع الميدانية.
وبشأن تأثير الضغوط الاقتصادية، أوضح سلامة أن العقوبات وما يرتبط بها من تقلبات اقتصادية تمثل عاملًا مؤثرًا على المزاج العام الإيراني. فمع ارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة العملة وتزايد نقص الخدمات والسلع، تتسع قدرة المجتمع على الإحساس بتداعيات العقوبات. ومع ذلك، شدد على أن تأثير هذه الضغوط على صانع القرار السياسي قد لا يكون بالحدة نفسها في المرحلة الحالية، إذ قد تعمل الأجهزة الرسمية على امتصاص الأثر أو توجيه الرأي العام عبر خطاب تعبوي أو أولويات أمنية بديلة.
كما أكد أن التغييرات الأخيرة داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية الإيرانية تعكس—بحسب قراءته—اتجاهًا نحو مزيد من التشدد بدلًا من الانفتاح. وبالتالي، تتوقع المرحلة المقبلة أن تميل إلى التصعيد أو تعقيد المفاوضات أكثر من ميلها إلى التفاهم، خاصة إذا استمرت المخاوف المتبادلة بشأن الأمن البحري واستمر منطق “الأوراق” التفاوضية بدل الوصول إلى ترتيبات شاملة.
ولتعزيز فهم الصورة، يمكن الإشارة إلى أن أي توتر في مضيق هرمز ينعكس فورًا على أسعار الطاقة وتكاليف التأمين وخطط الشحن، وهو ما يجعل الأزمة ذات بعد دولي يتجاوز إيران والولايات المتحدة ليشمل شركاء إقليميين ودوليين. وفي هذا السياق، يصبح توظيف طهران لمفتاح المضيق محاولة لرفع ثمن أي تصعيد ضدها، وخلق بيئة تفاوضية لا تقتصر على ملف واحد، بل تتصل بالأمن الملاحي والاقتصاد العالمي.

التعليقات