سجل سوق الاندماج والاستحواذ في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال النصف الأول من عام 2026 زخمًا ملحوظًا، حيث تم إتمام 390 صفقة بقيمة إجمالية بلغت 46.7 مليار دولار، وفقًا لأحدث تقرير صادر عن شركة إرنست ويونغ (EY). وعلى الرغم من استمرار التعقيدات الجيوسياسية التي تُبقي جزءًا من المستثمرين على الحذر في بداية العام، إلا أن وتيرة الصفقات تسارعت بشكل واضح خلال الربع الثاني، ما يعكس تحسنًا في المزاج الاستثماري ورغبة أعلى في تنفيذ صفقات استراتيجية على مدار فترات أطول.
وبحسب التقرير، ارتفعت قيمة الصفقات في الربع الثاني إلى 25 مليار دولار، مقارنة بـ12.2 مليار دولار خلال الربع الثاني من عام 2025. كما جاءت هذه القفزة مدفوعة بتوسع نشاط الصفقات المحلية والصادرة، إضافة إلى استمرار الزخم المرتبط بالاستثمارات السيادية. وتكشف المقارنة مع النصف الأول من عام 2025 عن وجود تراجع في إجمالي عدد الصفقات وقيمتها، إذ كان قد تم تسجيل 434 صفقة بقيمة 58.8 مليار دولار في تلك الفترة، إلا أن أداء الربع الثاني أظهر قدرة السوق على استعادة الحيوية عبر صفقات أكبر وأكثر تأثيرًا.
ويشير التقرير إلى أن نهاية الربع الثاني شهدت دفعة قوية في تنفيذ الصفقات؛ إذ استحوذ شهرا مايو ويونيو معًا على 61% من إجمالي عدد الصفقات المنفذة خلال الربع الثاني، كما شكلا 79% من إجمالي قيمة الصفقات. ويُفهم من ذلك أن الكثير من الصفقات الكبرى دخلت مرحلة الإغلاق المتأخرة خلال النصف الثاني من الربع، وهو ما قد يعكس تحسنًا في المرونة التنظيمية، وتسارعًا في إجراءات الموافقات، وتزايدًا في استعداد الأطراف المعنية لتجاوز بعض أوجه عدم اليقين.
كما أوضح التقرير أن الصفقات التي تتجاوز قيمتها 500 مليون دولار أمريكيًا شكّلت نحو ثلاثة أرباع إجمالي قيمة الصفقات المنفذة خلال الفترة من مارس إلى يونيو. وتعكس هذه النسبة ارتفاع التركيز على صفقات الاستحواذ “عالية القيمة” والتي غالبًا ما تستهدف قطاعات حيوية وتمتلك القدرة على إعادة تشكيل المشهد التنافسي في قطاعات الاقتصاد المختلفة.
## الصفقات المحلية تقفز إلى 16 مليار دولار
واصلت الصفقات المحلية والصادرة قيادة نشاط الاندماج والاستحواذ في المنطقة خلال النصف الأول من 2026، مع تسجيل نمو بارز في قيمة الصفقات المحلية خلال الفترة من مارس إلى يونيو. فقد بلغت قيمة الصفقات المحلية 16.0 مليار دولار أمريكيًا خلال هذه الفترة، بما يفوق أربعة أضعاف القيمة المسجلة في الفترة نفسها من العام الماضي.
وجاء هذا النمو نتيجة عدد من الصفقات الاستراتيجية الكبرى، خصوصًا في قطاعات العقارات والطاقة والمرافق والتكنولوجيا. كما يبرز دور الجهات المرتبطة بالحكومات باعتباره عاملًا داعمًا، إذ واصلت تنفيذ الاستثمارات المرتبطة بمشروعات البنية التحتية وبرامج التحول الوطني في عدد من أسواق المنطقة.
ويمثل توسع الصفقات المحلية مؤشرًا على استمرار توظيف رؤوس الأموال داخل اقتصادات المنطقة، مع ميل المستثمرين إلى استهداف قطاعات استراتيجية مرتبطة بمسارات التنويع الاقتصادي، وتطوير البنية الأساسية، وتعزيز فرص النمو طويلة الأجل.
## 119 صفقة صادرة بقيمة 25.5 مليار دولار
وعلى مستوى الصفقات الصادرة، حافظت تحركات المستثمرين الإقليميين على زخمها خلال النصف الأول من 2026، حيث تم تنفيذ 119 صفقة بقيمة إجمالية بلغت 25.5 مليار دولار أمريكيًا. وقد تركزت اهتمامات المستثمرين الإقليميين على اقتناص فرص استراتيجية في قطاعات متعددة، أبرزها التكنولوجيا والنقل والخدمات المالية والطاقة.
وتُظهر البيانات أن الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ظلتا في صدارة الدول الأكثر نشاطًا في مجال الصفقات الصادرة. ومن أبرز الأمثلة على صفقات النصف الأول: استحواذ شركة دبي لصناعات الطيران على شركة (Macquarie AirFinance) مقابل 7.0 مليارات دولار أمريكي، إضافة إلى استحواذ الشركة السعودية القابضة للألعاب الإلكترونية على شركة (Shanghai Moonton Technology) مقابل 6.0 مليارات دولار أمريكي.
كما يعكس توزيع الصفقات خلال الربعين الأولين اعتماد السوق بشكل متزايد على صفقات ذات أثر استراتيجي، سواء من حيث توسيع الحصص في قطاعات نمو مرتبطة بالتحول الرقمي أو تعزيز القدرات الصناعية والخدمية عبر الاستحواذات الكبرى. وتدل المؤشرات العامة على أن السوق بدأ النصف الثاني على قاعدة أكثر نشاطًا مقارنة ببداية العام.
## ما الذي وراء تسارع الصفقات في الربع الثاني؟
يمكن قراءة تسارع وتيرة الربع الثاني في إطار عدة عوامل متداخلة، منها زيادة قدرة الأطراف على تمويل الصفقات، وتحسن شهية المستثمرين تجاه الصفقات ذات القيمة الكبيرة، واستمرار دور الاستثمارات السيادية التي تعزز الثقة وتقلل مخاطر التنفيذ. كذلك، ساهم ارتفاع حصة الصفقات الكبرى من إجمالي القيمة في رفع الأرقام الإجمالية للنشاط، حتى مع اختلاف اتجاهات العدد مقارنة بفترات سابقة.
وفي ظل استمرار تركيز المستثمرين على التكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية، تتوقع الأسواق أن تستمر ديناميكية الصفقات بالتوجه نحو مجالات ترتبط بتحسين الكفاءة وتشغيل الأصول وتعظيم النمو على المدى المتوسط والبعيد. ومع اقتراب النصف الثاني من العام، قد تزداد أهمية رصد الصفقات التي تُغلق خلال فترات زمنية قصيرة، خاصة عندما تتزامن مع تحسن شروط التمويل وارتفاع معدلات الموافقات.
وبشكل عام، يوضح هذا الأداء أن سوق الاندماج والاستحواذ في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يمضي نحو مرحلة أكثر قوة خلال النصف الثاني من 2026، مدعومًا بصفقات محلية كبيرة، ونشاط استثماري صادر، واستمرار الاهتمام بالاستحواذات الاستراتيجية التي تعيد رسم أولويات النمو في المنطقة.

التعليقات