أكد الدكتور طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، أن الدعم الأمريكي يُعد عنصرًا محوريًا في قدرة إسرائيل على مواصلة سياساتها العسكرية، موضحًا أن واشنطن لا تكتفي بتوفير المساندة المالية أو التسليحية، بل تقدم ما وصفه بـ“مظلة” واسعة تشمل الأبعاد السياسية والدبلوماسية والإعلامية. وأشار البرديسي خلال حديثه في برنامج «الحياة اليوم» مع الإعلامية لبنى عسل على قناة «الحياة»، إلى أن استمرار العمليات الإسرائيلية وحروبها لا يمكن فصله عن حجم الدعم الذي تحصل عليه تل أبيب من الولايات المتحدة، سواء عبر مساعدات عسكرية مباشرة أو من خلال دعم سياسي ينعكس على مواقف واشنطن داخل الأطر الدولية.
ولفت الخبير إلى أن المساندة الأمريكية تمتد إلى ما هو أبعد من الجبهة العسكرية، لتشمل توفير غطاء سياسي ودبلوماسي يعزز قدرة إسرائيل على الصمود أمام الضغوط والانتقادات المتصاعدة. وأوضح أن للدور الأمريكي داخل المؤسسات الدولية أهمية خاصة، بما في ذلك استخدام حق النقض «الفيتو» في القضايا التي تُطرح وتكون مرتبطة بإسرائيل، وهو ما يمنح تل أبيب هامشًا إضافيًا لتجاوز بعض المسارات التي قد تقود إلى محاسبة أو قيود سياسية.
كما شدد البرديسي على أن البعد الإعلامي والسياسي يمثلان جزءًا من منظومة الدعم، إذ تسهم أدوات الضغط السردي والسياسي في تشكيل بيئة تسمح لإسرائيل بالمضي قدمًا رغم التحركات الدولية المطالبة بضبط التصعيد. ووفقًا لرؤيته، فإن هذا النوع من الدعم لا يقل أثرًا عن الدعم العسكري من حيث تأثيره في تقليل تكلفة القرار الإسرائيلي سياسيًا وإعلاميًا.
وفي السياق نفسه، بيّن البرديسي أن طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل تمنح واشنطن أوراق ضغط مؤثرة على تل أبيب، خصوصًا في ظل استمرار اعتماد الأخيرة على القدرات التي توفرها واشنطن في إدارة عملياتها العسكرية. وأوضح أن وجود قناة تواصل ومصالح مشتركة على مستوى عالٍ يجعل الخيارات الأمريكية قادرة على التأثير في المسار العام للتطورات، سواء عبر تشجيع إسرائيل على اتخاذ خطوات معينة أو عبر إبطاء بعض التوجهات من خلال رسائل سياسية أو تفاهمات ضمنية.
وتوقع الخبير أن الضغوط التي تمارسها الإدارة الأمريكية خلال المرحلة الراهنة قد تدفع إسرائيل إلى تقديم تنازلات محدودة أو الاستجابة لبعض المطالب الأمريكية بما يتماشى مع حسابات واشنطن السياسية والدبلوماسية. وأكد أن حجم تأثير الولايات المتحدة يجعلها طرفًا رئيسيًا في تحديد اتجاه الأحداث المقبلة، وليس مجرد داعم خلفي.
ومن زاوية عسكرية، شدد البرديسي على أن المساعدات الأمريكية تمثل عاملًا حاسمًا في تعزيز القدرات الإسرائيلية، عبر دعم منظومات التسليح والصيانة والإسناد، بما يمكّن تل أبيب من الاستمرار في عملياتها ومواجهة الفصائل الفلسطينية. وأشار إلى أن استمرار تدفق الدعم العسكري والسياسي يمنح إسرائيل قدرة أعلى على الاستدامة الميدانية، ويؤثر في قدرة تل أبيب على مواصلة المناورة والتعامل مع الضغوط التي قد تأتي من ساحات متعددة.
وأضاف أن أي تغير في مستوى الدعم الأمريكي، أو في طبيعة الغطاء السياسي الذي تقدمه واشنطن، قد ينعكس مباشرة على قدرة إسرائيل على الاستمرار في نهجها الحالي. واعتبر البرديسي أن الموقف الأمريكي يظل من أبرز العوامل التي قد ترسم ملامح مستقبل الصراع، بما في ذلك احتمالات تعديل الحسابات الإسرائيلية استنادًا إلى الرسائل والاشتراطات التي قد تأتي من واشنطن.
وبشكل أوسع، يرى البرديسي أن توازن القوى في المنطقة يرتبط بدرجة كبيرة باستراتيجية الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، لأن واشنطن قادرة على الجمع بين أدوات الضغط والدعم في آن واحد: دعم عسكري وسياسي عند الحاجة، مقابل مطالبة بتعديلات سلوكية أو سياسية عندما تستدعي المصالح الأمريكية ذلك. ومن ثم، فإن العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية تظل مؤثرًا مباشرًا في مسار التصعيد أو التهدئة، وفي كيفية انتقال الأحداث من مرحلة إلى أخرى وفق ما تحدده واشنطن من أولويات سياسية ودبلوماسية.

التعليقات