أوضح د. شفيق التلولي، عضو المجلس الوطني الفلسطيني، أن فشل القوة الأمريكية في ردع إيران بالشكل الذي رُسم منذ بداية المواجهة يعكس وجود حسابات لم تترجم إلى نتائج على الأرض. ولفت التلولي إلى أن الإدارة الأمريكية راهنت على إمكانية حسم الصراع خلال 48 ساعة عبر توجيه ضربة سريعة “قاصمة” من شأنها أن تُفضي إلى إسقاط النظام من الداخل، إلا أن مسار الأحداث أثبت أن الدولة الإيرانية دخلت في تعقيدات ومنعطفات لم تكن في تقديرات واشنطن بالشكل الكافي، سواء على مستوى الاعتبارات العقائدية أو على مستوى البنية الوطنية والقدرة على التماسك في لحظات التحدي.
وبيّن خلال تصريحات لقناة القاهرة الإخبارية أن الرهان الأساسي الذي تبنّته الخطة الأمريكية كان قائمًا على افتراض إمكانية تحرك الشارع الإيراني ضد النظام أو تفككه داخليًا بما يسرّع النتائج. غير أن التطورات جاءت عكس ذلك؛ إذ بدا أن الإيرانيين التفّوا حول دولتهم ونظامهم، وأن المواجهة تحولت بالنسبة إليهم من كونها ضغطًا خارجيًا محدودًا إلى “حرب وجود” تستدعي درجة أعلى من الالتفاف والتماسك الداخلي. وهذا النوع من التحولات عادةً ما يقلص جدوى السيناريوهات التي تعتمد على انهيار داخلي سريع تحت وطأة الضغوط.
وفي السياق نفسه، رجّح التلولي أن الرئيس الأمريكي ربما لم يتعامل بما يكفي مع التحذيرات والتقارير التي أشارت إلى صعوبة حسم المواجهة بتلك الطريقة. كما أشار إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قدّم بدوره تقديرات استخبارية تقوم على أن اغتيال رأس النظام الإيراني قد يقوض نظام “ولاية الفقيه”، ويُحقق في الوقت نفسه الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل. لكن الواقع السياسي والأمني—كما يوحي به تحليل التلولي—أظهر أن هذه المقاربة التصادمية ليست كافية وحدها لتفكيك بنية الدولة، وأن الاستبدال بقيادة أو ضرب “رمز” لا يضمن بالضرورة إسقاط النظام أو تغيير مساره الاستراتيجي بالشكل المتوقع.
وأضاف التلولي أن أهداف المواجهة لم تعد محصورة في الملف النووي الإيراني فقط، بل امتدت إلى محاولة الحد من النفوذ الإيراني الإقليمي. واعتبر أن مضيق هرمز برز كأحد أهم ساحات الاحتكاك والمواجهة، في ظل إدراك إيران أنها لا تستطيع—في مواجهة مفتوحة—السيطرة الكاملة على المضيق بشكل مستدام. ومع ذلك، تتحول المواجهة في جزء منها إلى “حرب نفوذ”؛ أي أنها لا تدور فقط حول السيطرة المباشرة، بل حول التأثير على مسارات الإمداد، ورفع كلفة المخاطر، واستنزاف أوراق الخصم، بما يجعل نتائج الصراع أكثر وضوحًا في مرحلة ما بعد المواجهة.
وإثر ذلك، يمكن فهم تعثّر الرهانات الأمريكية خلال 48 ساعة على أنه نتيجة تلاقي عدة عوامل: تقديرات استخبارية لا تلتقط بالكامل ديناميات الداخل الإيراني، وقلل من احتمالات الالتفاف الوطني، ووسّع من هامش الردع عبر التحول من “حسم سريع” إلى صراع طويل الأمد تتبدل فيه الأدوات وتتعاظم فيها حسابات النفوذ. كما أن امتداد الأهداف من النووي إلى النفوذ الإقليمي يعقّد إمكانية تحقيق نتائج حاسمة خلال زمن قصير، لأن تغيير موازين النفوذ الإقليمي يحتاج إلى مسارات أطول وتراكم سياسات لا ينجزها عامل عسكري واحد بالضرورة.
ختامًا، يرى د. شفيق التلولي أن ما جرى يكشف فجوة بين تصور إدارة أمريكية لعملية حسم سريعة وبين واقع دولة دخلت منعطفات غير محسوبة، وتحولت معها المواجهة إلى اختبار تماسك داخلي وإعادة ترتيب للأوراق في الإقليم—لا سيما في ملفات التأثير حول مضيق هرمز وما بعده.

التعليقات