يؤكد تقرير حديث أن الذكاء الاصطناعي لم يعد محصورًا في مجالات مثل روبوتات الدردشة أو توليد الصور، بل بدأ يفرض حضوره بقوة في علوم معقدة، وعلى رأسها التنبؤات الجوية. فبفضل نماذج التعلم العميق، أصبحت محاكاة الطقس أسرع وأكثر دقة، مع تقليص الاعتماد على الحواسيب العملاقة التي كانت تمثل لعقود العمود الفقري لأنظمة التنبؤ التقليدية. وفي هذا التحول، تظهر تطبيقات عملية تجمع بين جمع البيانات من البيئة ثم تحليلها بذكاء اصطناعي لصنع توقعات أقرب للواقع.
في هذا الإطار، أعلنت شركة WindBorne Systems الأمريكية المتخصصة في تقنيات الأرصاد الجوية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي أنها جمعت 37 مليون دولار ضمن جولة تمويل من الفئة الثانية (Series B). تأتي هذه الخطوة بهدف توسيع عمليات الشركة وتعزيز حضورها في الأسواق التجارية، بعد أن بلغت قيمتها السوقية نحو 250 مليون دولار. وتعكس هذه الجولة اهتمام المستثمرين المتزايد بإمكانية تحويل التنبؤ بالطقس من خدمة علمية متخصصة إلى منصة بيانات يمكن توظيفها في قطاعات متعددة.
## بالونات ذكية لرصد الغلاف الجوي
تأسست الشركة عام 2019 بفكرة تقوم على إطلاق بالونات طقس منخفضة التكلفة مزودة بأجهزة استشعار متقدمة. ويهدف هذا النهج إلى جمع بيانات دقيقة من طبقات مختلفة من الغلاف الجوي، بما في ذلك المناطق التي يصعب الوصول إليها مباشرة. وتبرز أهمية ذلك خصوصًا في الحالات الجوية القاسية مثل قلب الأعاصير، حيث يمكن أن تُحدث الفجوات في البيانات أثرًا مباشرًا على دقة التوقعات.
ومع تطور نماذج الذكاء الاصطناعي، طورت الشركة منصة للتنبؤ بالطقس تعتمد على البيانات التي تجمعها البالونات، إلى جانب بيانات إضافية تأتي من هيئات الأرصاد الجوية العالمية. ويعني الجمع بين “المصدر المحلي” و“المصدر العالمي” أن النموذج لا يقتصر على ما توفره جهة واحدة، بل يستفيد من إشارات متعددة لتحسين التقدير وتقليل الخطأ.
## توسيع نطاق الرصد واستمرار جمع البيانات
تعمل WindBorne Systems حاليًا عبر 20 موقعًا لإطلاق البالونات حول العالم، مع وجود نحو 600 بالون في الأجواء بشكل مستمر. ويُعد هذا الانتشار الجغرافي عاملًا مهمًا لتغطية مناطق متنوعة والتقاط اختلافات الظروف الجوية في الزمن والمكان.
وتعمل الشركة كذلك على تطوير أجهزة استشعار جديدة قادرة على الهبوط في المحيطات، والاستمرار في جمع البيانات كعوامات عائمة. ويساعد هذا التطوير على توسيع نطاق القياس ليشمل مساحات مائية شاسعة، وهي مناطق قد تكون أقل كثافة في محطات الرصد التقليدية، خصوصًا مقارنةً بالمناطق البرية.
## من الحكومي إلى التجاري
حتى الآن، تعتمد WindBorne Systems بشكل كبير على العملاء الحكوميين. فهي تزود هيئة الأرصاد الجوية الأمريكية ببياناتها، كما تتعاون مع القوات الجوية والبحرية الأمريكية في مشروعات بحثية تهدف إلى بناء نماذج تنبؤ يمكنها العمل أيضًا في البيئات التي تعاني من ضعف الاتصال بالإنترنت. ويعكس هذا التوجه اهتمامًا بمرونة الأنظمة وقدرتها على الاستمرار في جمع وتحليل البيانات حتى في الظروف الصعبة.
وبالتزامن مع التمويل الجديد، تعتزم الشركة استثمار الموارد في ثلاثة مسارات رئيسية: تعزيز البنية التحتية الحاسوبية لتشغيل نماذج التعلم العميق بكفاءة أعلى، وتطوير شبكة الاتصالات الخاصة بالبالونات لضمان وصول البيانات بأقل قدر من التأخير، إضافة إلى توسيع الفريق التجاري لاستهداف شركات القطاع الخاص.
ومن بين الفئات المستهدفة مؤسسات مالية وصناديق استثمار تعتمد على توقعات الطقس في تحليل الأسواق وأسعار السلع وإدارة المخاطر. كما يمكن أن تمتد الاستفادة إلى قطاعات أخرى مثل الطاقة، والزراعة، واللوجستيات وسلاسل الإمداد، حيث يؤثر الطقس على الكلفة التشغيلية والتخطيط اليومي.
## الذكاء الاصطناعي كعامل تغيير في سوق الأرصاد
يرى المستثمرون أن الذكاء الاصطناعي قد يعيد تشكيل سوق الأرصاد الجوية عبر محورين: الأول تحسين دقة التوقعات وتقليل الفجوة بين النموذج والواقع، والثاني تسهيل دمج بيانات الطقس ضمن القرارات الاقتصادية والتشغيلية. وعند تحقيق ذلك، قد تتحول خدمات التنبؤ من “معلومة” تُستخدم ضمن الأبحاث إلى “بنية بيانات” تُبنى عليها استراتيجيات إدارة المخاطر وتخطيط الأعمال.
وبين جمع البيانات من الغلاف الجوي عبر بالونات ذكية، وتحليلها بواسطة منصات تعلم عميق، تبدو WindBorne Systems مثالًا على اتجاه عالمي نحو تنبؤات جوية أدق وأكثر قابلية للاستخدام التجاري. ومع استمرار توسع عمليات الرصد وتحسين الاتصالات والحوسبة، قد تتعزز فرص تقديم توقعات أسرع وأكثر تخصيصًا لاحتياجات جهات متعددة حول العالم.

التعليقات