التخطي إلى المحتوى

قال الدكتور مجدي شاكر، كبير الأثريين، إن المصريين القدماء تعاملوا بوعي مبكر مع ظاهرة الهزات الأرضية ضمن مناهج البناء الخاصة بهم، مشيرًا إلى أن طريقة إنشاء القواعد لم تكن اعتباطية؛ فكلما زاد عرض قاعدة المبنى زادت قدرة التماسك وتحمل الأحمال، ما يقلل من تأثير الاهتزازات على المنشآت الضخمة.

وأوضح شاكر أن القدماء لم يكتفوا بتوسيع القواعد فقط، بل استخدموا مواد وتقنيات مساعدة بين طبقات الأحجار، مثل إدخال الخشب أو البرونز كعناصر داعمة داخل البناء، بهدف رفع المتانة وتعزيز قدرة المنشأة على الصمود عند حدوث الزلازل أو الهزات. وتابع أن هذه الرؤية الهندسية تعكس فهمًا عمليًا لطبيعة الأرض والحركة الأرضية، حتى وإن لم تُقدَّم وقتها بصياغات علمية حديثة.

وأضاف شاكر أن الاستفادة من خبرات القدماء ينبغي أن تكون علمية لا دعائية؛ أي تحويل الدروس التاريخية إلى بحث وتطبيق، بدلًا من توظيفها للتفاخر. وفي هذا السياق، أشار إلى أن التراث المصري القديم يضم عشرات النصوص الطبية، وأن هناك برديات في علم الطب توثق وصفات وتشخيصات لعدد من الأمراض، إلى جانب طرق علاج كانت تُعد بديلة في عصرها. واعتبر أن اختبار الوصفات المذكورة—حتى إن بدت بدائية أو غريبة لبعض الناس—يظل إجراءً بحثيًا، فعدم فائدتها لا يعني بالضرورة ضررها، طالما تم التعامل معها ضمن ضوابط علمية.

كما تحدث شاكر عن جوانب من عالم الآثار الملكية، واستشهد بما ورد في برنامج «صباح البلد» على قناة صدى البلد مع الإعلامية نهاد سمير، عبر قصة الملكة تي، التي جذب جمال شعرها انتباه الكثيرين رغم تقدمها في العمر—وذلك أثناء عرض ونقل المومياوات الملكية.

وعن التحولات السياحية القريبة، أكد أن الفترة المقبلة ستشهد حدثًا فلكيًا مميزًا في محافظة الأقصر يتمثل في أطول فترة كسوف للشمس بتاريخ 2 أغسطس 2027. ولفت إلى أن شركات كبرى في قطاع السياحة بدأت الترويج لهذا الحدث باعتباره فرصة لجذب الزوار وإثراء التجربة الثقافية والعلمية، داعيًا الإعلام وقطاع السياحة إلى الاستعداد عبر خطط تنظيمية ومواد تعريفية تساعد الزائر على فهم الحدث.

وفي جانب الاكتشافات الأثرية، ذكر الدكتور مجدي شاكر أنه تم العثور حديثًا على 11 مقبرة تضم تماثيل ذات طراز يوناني–مصري، بالإضافة إلى 24 لسانًا من الذهب، كما أشار إلى وجود أمفورات مرتبطة بجزيرة رودس. واعتبر هذه المعطيات دلالة على انفتاح مصر على حضارات البحر المتوسط وتبادل التأثيرات الثقافية والتجارية منذ العصور القديمة، بما يظهره تنوع المواد والرموز داخل سياقات الدفن والاستخدام.

وأضاف أن وزارة السياحة والآثار أعلنت عن تجهيز مركز للزوار، إلى جانب عربات كهربائية لتسهيل حركة الزائرين داخل مناطق الزيارة، بهدف تحسين تجربة السائح وضمان انسيابية أكبر خصوصًا لكبار السن وذوي الاحتياجات.

وتناول شاكر كذلك منشآت منطقة تل ناصر في بورسعيد، موضحًا أنها تضم حمامات عامة وأخرى خاصة، إضافة إلى حمامات للأقدام، مع وجود شبكة لإمداد المياه والصرف. وأكد أن استخدام الملاط الهيدروليكي ضمن هذه المنشآت يشير إلى مستوى متقدم من التخطيط والوعي بالاحتياجات المعيشية، وأن هذه الأنظمة تعود إلى العصرين اليوناني والروماني.

وختم شاكر حديثه بالتأكيد على أهمية إدراج هذه المحاور في التعليم، معبرًا عن أمنيته بأن تعمل وزارة التربية والتعليم على تضمين موضوعات تاريخية مرتبطة ببيئة الطلاب وجغرافيتهم داخل المناهج، حتى يدرك الجيل الجديد قيمة ما حوله من معارف وآثار، لا بوصفها سردًا للماضي فقط، بل كمدخل لفهم الحاضر وبناء وعي مستقبلي.

وفي سياق الوعي بالهوية التاريخية، شدد على أن وجود بعض الجاليات داخل مصر منذ القدم لا يعني—بحد ذاته—أحقيتها في الأرض أو في امتلاك جزء من التراث الحضاري. وأوضح أن وجود جاليات فلسطينية أو غيرها في مناطق مثل السادس من أكتوبر أو الشيخ زايد لا يترجم تلقائيًا إلى حق تاريخي ممتد لمجرد الاستقرار الجغرافي، لافتًا إلى أن التاريخ الحضاري يُقاس بسياقاته وأدلته الأثرية والمؤسسية عبر آلاف السنين لا بالإقامة وحدها.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *