التخطي إلى المحتوى

تواجه شركة آبل موجة ضغوط سياسية متزايدة في الولايات المتحدة، بعد تقارير أشارت إلى أنها قد تعتمد في تصنيع بعض منتجاتها على موردي شرائح ذاكرة صينيين، في وقت لا تزال فيه أسواق أشباه الموصلات العالمية تعاني من آثار أزمة نقص الرقائق التي رفعت كلفة مكونات الأجهزة الإلكترونية. وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد التوترات بين واشنطن وبكين، ومحاولة الكونجرس الحد من توسع الشركات الأميركية في سلاسل التوريد المرتبطة بالشركات الصينية.

وفي خطوة تعكس توافقًا بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، طالب أعضاء من الكونجرس الرئيس التنفيذي لشركة آبل، تيم كوك، بتقديم تعهد رسمي قبل 21 أغسطس. يتمثل التعهد في عدم استخدام شرائح الذاكرة الصادرة من شركتي ChangXin Memory Technologies (CXMT) وYangtze Memory Technologies (YMTC) ليس فقط في الأجهزة الموجهة للسوق الأميركية، بل أيضًا في المنتجات التي تُصنع وتُباع داخل الصين.

لماذا تركز واشنطن على DRAM وNAND Flash؟

تأتي هذه المطالب لأن شرائح الذاكرة تعد جزءًا محوريًا من بنية معظم أجهزة آبل، سواء في الهواتف أو الحواسيب أو الأجهزة اللوحية. وتُعد شرائح DRAM وNAND Flash مكونات أساسية لتشغيل النظام وتخزين البيانات، ما يعني أن أي اعتماد على موردين محددين قد ينعكس مباشرة على سلسلة التوريد وعلى قرارات التسعير والتصميم.

بحسب المخاوف التي طرحها المشرعون، فإن CXMT يُذكر غالبًا باعتباره من موردي DRAM، بينما ترتبط YMTC بتصنيع NAND Flash المستخدم في وحدات التخزين. ويُنظر إلى أي علاقة تجارية مع هذه الشركات على أنها قد تمنحها إيرادات وخبرة وتوسعًا تقنيًا، وهو ما تتخوف واشنطن من أن يساهم في تعزيز قدرات صناعة الرقائق الصينية بما يتعارض مع أهداف السياسة الأميركية في تقليل الاعتماد على الصين.

أزمة نقص الذاكرة تضرب سوق أجهزة المستهلك

على الرغم من أن آبل تعتمد تقليديًا على موردي شرائح ذاكرة رئيسيين مثل Samsung Electronics وSK Hynix وMicron، فإن الطلب المتسارع على الذاكرة المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات دفع الشركات العالمية إلى إعادة توجيه جزء كبير من الطاقة الإنتاجية نحو التطبيقات ذات العائد الأعلى. ونتيجة لذلك، تقل إتاحة الذاكرة الموجهة للأجهزة الاستهلاكية مثل الهواتف والحواسيب الشخصية، وهو ما ينعكس على توافر DRAM وNAND وعلى تكاليفها.

وقد انعكس هذا الوضع فعليًا على بعض منتجات آبل؛ إذ أشارت الشركة في السابق إلى أنها رفعت أسعار بعض أجهزة Mac وiPad بسبب ارتفاع تكاليف الذاكرة والتخزين. ويرتبط ذلك أيضًا بحقيقة أن آبل—بحكم حجمها وحجم طلبها—تحتاج إلى أحجام توريد ثابتة للتعامل مع تقلبات الأسعار، إضافة إلى حاجتها لتأمين سلاسل دعم تصنيع منتجاتها في الأوقات المحددة.

Micron تعترض: حماية الصناعة الأميركية عامل حاسم

تعد Micron من أبرز الجهات الأميركية التي تبدي تحفظات على أي توسع محتمل لآبل في استخدام شرائح من موردين صينيين. وتستند اعتراضات Micron إلى أن دعمًا حكوميًا قد يمنح الشركات الصينية أفضلية تنافسية غير عادلة، ما قد يؤثر على الاستثمارات الطويلة لدى شركات الرقائق الأميركية. وفي المقابل، تؤكد Micron أن استثماراتها داخل الولايات المتحدة تتطلب بيئة تنافسية مستقرة، وأن السياسات الأميركية تهدف إلى تقوية قدرات التصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية.

ومن زاوية أخرى، ترى تقارير أن آبل قد تركز على تنويع الموردين لتأمين المرونة في التعاقد وتقليل أثر نقص الإمدادات، فضلًا عن التفاوض للحصول على أسعار أفضل. إلا أن المسألة في هذه المرحلة لا تبدو اقتصادية فقط، بل أصبحت مرتبطة بحدود واضحة رسمتها الجهات التشريعية الأميركية.

هل يكفي استخدام الشرائح داخل الصين فقط؟

أحد السيناريوهات التي طُرحت تتمثل في استخدام شرائح CXMT وYMTC في الأجهزة المخصصة للسوق الصينية فقط، مع استمرار الاعتماد على الموردين الحاليين لباقي الأسواق. إلا أن أعضاء في مجلس الشيوخ رفضوا هذا الطرح، معتبرين أن السماح بالتعامل التجاري حتى ضمن نطاق محدود قد يؤدي إلى تعزيز مكانة الموردين الصينيين، وإلى استمرار حصولهم على مبيعات وخبرة وتوسعات تساعدهم على تقوية حضورهم في السوق العالمية.

استثمار 600 مليار دولار ومعادلة التوريد المكلفة

تأتي الأزمة في وقت تروج فيه آبل لخطة استثمار ضخمة بقيمة 600 مليار دولار داخل الولايات المتحدة. تشمل الخطة توسيع التعاون مع شركات بارزة في مجال التصنيع ومكونات الأجهزة وسلسلة التوريد، مثل TSMC وBroadcom وTexas Instruments وCorning وGlobalWafers. ويُفهم من هذا التوجه أن آبل تسعى لتقوية جزء من سلسلة القيمة داخل أميركا وتقليل المخاطر المرتبطة بتعطل الإمدادات.

لكن في الوقت نفسه، تبقى الذاكرة—وخاصة DRAM وNAND—عنصرًا يتطلب تأمينًا دقيقًا لكميات كبيرة وبجودة محددة وفق معايير الأداء المطلوبة لأجهزة آبل. وهنا تظهر الموازنة الصعبة بين خفض التكاليف وحماية القدرة التشغيلية وبين الاستجابة للضغوط السياسية الصادرة من الكونجرس، والتي قد تؤثر مباشرة على قرارات الشراء والموردين المعتمدين خلال السنوات القادمة.

مع اقتراب موعد 21 أغسطس، من المتوقع أن تحسم آبل موقفها. وقد لا يقتصر القرار على تكييف قائمة الموردين، بل قد يمتد تأثيره إلى علاقتها بالإدارة الأميركية، وإلى مستقبل إدارة المخاطر في سلاسل التوريد العالمية بين الولايات المتحدة والصين.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *