التخطي إلى المحتوى

انهارت صفقة نشر بقيمة تقارب مليوني دولار لرواية الجريمة البريطانية «Call Me, I’ll Hide the Body» للكاتب جيري فالادي (Jerry Falade)، بعد أن سحبت وكالة الأدب التي تمثله الرواية من السوق على خلفية شكوك حول احتمال استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في كتابتها أو صياغتها. ويأتي القرار رغم نفي فالادي القاطع لهذه الاتهامات، وسط جدل متصاعد داخل قطاع النشر حول كيفية التعامل مع الأعمال التي تُثار حولها شبهات مرتبطة بالـAI.

وفق تقرير نشرته صحيفة The Guardian، أبلغت وكالة الكاتب دور النشر أنها لم تعد قادرة على التحقق من مسار تطور الرواية من بدايتها وحتى نسختها النهائية. وأوضحت الوكالة أن قبولها الأول كان مبنيًا على تأكيدات الكاتب بأن العمل لم يُكتب أو يُحرَّر باستخدام الذكاء الاصطناعي. لكن خلال مراحل لاحقة، ظهرت تفاصيل تغيّرت أو عجزت الوكالة عن توثيقها بشكلٍ كامل، ما دفعها للتراجع عن صفقة كانت في طريقها للانطلاق.

وتشير الرسالة التي وجهتها الوكالة إلى أن فالادي قدّم «مخطوطة مذهلة أبهرت كبار المتخصصين في صناعة النشر»، إلا أنها شددت على أن القدرة على إثبات المراحل الدقيقة لتطوير العمل تراجعت. لذلك، قررت الوكالة سحب الرواية من عملية البيع، وهو إجراء وصفته التطورات اللاحقة بأنه مفاجئ مقارنة بالحماس الذي سبق الصفقة.

قبل الإلغاء، حصدت الرواية اهتمامًا استثنائيًا، وتحوّلت إلى موضوع منافسة شرسة بين دور النشر. ففي الولايات المتحدة، شارك 14 ناشرًا في مزاد يتعلق بالرواية، بينما تلقّت الوكالة البريطانية عروضًا تجاوزت قيمتها مئات الآلاف من الدولارات. وكان مقررًا إصدار الرواية في عام 2028، كما سبق للوكيل الأدبي مارك جيرالد أن وصف الرواية بأنها «مذهلة»، مؤكدًا أن من قرأها انبهر بها وأنها تمتلك مقومات النجاح لدى الجمهور.

وفي سياق تعليل التراجع، أوضح جيرالد أن الوكالة في البداية لم تعتمد على برامج كشف النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي، لأن تفسيرات الكاتب كانت تبدو «واضحة وموثوقة». لكن تغير بعض التفاصيل بعد اجتماع لاحق مع الكاتب، أدى إلى إنهاء العلاقة والسحب من السوق.

في المقابل، نفى جيري فالادي استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، واعتبر ما حدث تعبيرًا عن تحيز داخل صناعة النشر. وقال إن ثلاثة كتاب سود حصلوا خلال العام نفسه على صفقات نشر كبيرة، قبل أن تتعرض أعمالهم لاحقًا لاتهامات مشابهة. واعتبر أن الاتهامات تستند إلى افتراض خاطئ يرى أن الكاتب الأسود لا يمكنه تقديم عمل مميز دون الاستعانة بالتقنيات الحديثة.

كما أكد فالادي أن أدوات كشف النصوص المولدة بالـAI قد تعطي نتائج خاطئة أحيانًا، مشيرًا إلى أن الرواية خضعت لمراجعات متعددة على يد محررين وناشرين محترفين. وأضاف أنه لو كان النص قد تم إنشاؤه بالذكاء الاصطناعي لما كان من الصعب اكتشاف ذلك منذ البداية، خصوصًا مع وجود سلسلة تدقيق بشرية في مراحل التحرير والإعداد.

وتقول تيشا موريس، وهي محامية متخصصة في قانون النشر، إن القضية تكشف تحديًا جديدًا أمام دور النشر مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي. فبرأيتها، إثبات استخدام الـAI ليس بالأمر السهل كما قد يبدو للوهلة الأولى؛ فمجرد توجيه الاتهام لا يكفي، خصوصًا أن كثيرًا من المؤلفين قد يستخدمون تقنيات قائمة على الذكاء الاصطناعي في مهام لا تعني بالضرورة أن النص نفسه كُتب بواسطة الآلة، مثل التدقيق الإملائي، أو المساعدة في البحث، أو العصف الذهني، أو تحسين الصياغة.

وترى موريس أن دور النشر مطالبة أيضًا بالتأكد من أن المؤلف يمتلك حقوق العمل بالكامل وأن المحتوى مؤهل للحماية بموجب حقوق النشر، وألا يتضمن مواد مولدة من مصادر خارجية دون تصريح أو دون التزام بالضوابط القانونية. وبذلك، يصبح معيار السؤال لا يقتصر على «هل استُخدم الذكاء الاصطناعي؟»، بل يمتد إلى «ما طبيعة الاستخدام» وهل يترتب عليه تبعات قانونية أو حقوقية.

وتعكس الواقعة مسارًا أوسع من الجدل في صناعة النشر حول كيفية التمييز بين النصوص التي كُتبت بالكامل بواسطة إنسان وتلك التي دُعمت جزئيًا بأدوات الذكاء الاصطناعي. وفي ظل غياب وسائل يمكنها الجزم بشكل قطعي دائم، تتجه المؤسسات نحو محاولة تحقيق توازن دقيق: الاستفادة من أدوات الـAI في تحسين سير العمل والتحرير، مع الحفاظ على أصالة الأعمال الأدبية، وضمان حقوق المؤلفين، ومعالجة المخاطر القانونية المرتبطة بمصدر المحتوى.

وتبقى هذه القضية تذكيرًا بأن عصر النشر الجديد لا يختبر جودة الروايات فقط، بل يضع أيضًا أسئلة جديدة حول الشفافية في مراحل الكتابة والتحرير، وحول آليات التحقق والمعايير الأخلاقية والقانونية التي ينبغي أن تعتمدها دور النشر مع اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي في الإبداع.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *