في مثل هذا اليوم الأحد، تمر الذكرى العاشرة لرحيل العالم المصري الكبير الدكتور أحمد زويل، أحد أبرز علماء الكيمياء في العصر الحديث، والذي توفي في 2 أغسطس 2016 بعد مسيرة علمية استثنائية تركت أثرًا عالميًا في فهم تفاعلات المادة على المستوى الذري والجزيئي.
من دمنهور إلى بوابة العالمية
وُلد أحمد زويل في 26 فبراير 1946 بمدينة دمنهور، لتبدأ من هناك رحلة علمية صاعدة نحو العالمية. التحق بكلية العلوم بجامعة الإسكندرية، حيث تخرج بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف في الكيمياء عام 1967، ثم واصل مسيرته الأكاديمية ليتخصص في علم الضوء، حاصلاً على درجة الماجستير، قبل أن يتوسع في الأبحاث الدقيقة التي ستقوده لاحقًا إلى قلب ثورة علمية في تصوير الزمن الحقيقي للتفاعلات الكيميائية.
اختراع غيّر طريقة رؤية العلماء للزمن في الكيمياء
حجز زويل مكانه في التاريخ بعد حصوله على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999، تقديرًا لاختراعه تقنية تصوير حركة الجزيئات أثناء التفاعلات الكيميائية باستخدام أشعة الليزر في زمن الفيمتوثانية. هذه الفكرة لم تكن مجرد تطور تقني، بل كانت نقلة نوعية سمحت للعلماء بمشاهدة ما يحدث “داخل التفاعل” بدل الاكتفاء بالنتائج النهائية، ما ساعد على فهم الآليات الكيميائية بشكل أدق، وفتح الباب أمام تطبيقات واسعة في مجالات مثل الكيمياء الضوئية وعلوم المواد وتصميم التفاعلات بصورة أكثر كفاءة.
العلم والرياضة.. شغف لم يفارق صاحب نوبل
رغم أن العالم يعرفه الناس من خلال إنجازاته العلمية، فإن أحمد زويل كان يحمل في حياته اليومية شغفًا بالرياضة، وعلى رأسها كرة القدم. عرف عنه منذ سنواته المبكرة أنه كان يشارك أصدقائه اللعب ويتابع مباريات الفرق باهتمام، وبرز بين مشجعي نادي الزمالك. وتعدّ هذه التفاصيل جزءًا من صورته الإنسانية؛ إذ كان يجمع بين عقل الباحث الذي لا يهدأ، وروح الرياضي الذي يستمتع بالتنافس والجماعة.
زويل بين تقدير الأهلي والزمالك
لم تكن علاقة زويل بالرياضة مقتصرة على الانتماء فقط، بل اتسعت لتحمل احترامًا عميقًا لما يمثله الناديان من قيم. فقد حظي بتقدير قطبي الكرة المصرية، حيث نال العضوية الشرفية من الأهلي والزمالك تقديرًا لمسيرته العلمية ومكانته. كما شارك في احتفالات مرتبطة بمرور 100 عام على تأسيس النادي الأهلي، في رسالة واضحة بأن العلم يمكن أن يكون جسرًا يجمع بين جمهور الرياضة ويحتفي بقيمة الإبداع دون اختلاف.
رسالة للعالم الرياضي.. والعمل الجماعي كقيمة مشتركة
عند تكريمه، شدد زويل على أهمية القيم المشتركة بين الرياضة والعلم. وأوضح أن النجاح—سواء داخل الملعب أو في ميادين البحث—يرتبط بالالتزام والعمل الجماعي واحترام القواعد. فكما يحتاج الفريق إلى تناغم واضح وهدف مشترك، يحتاج البحث العلمي أيضًا إلى منهج دقيق وتعاون ووقت وصبر للوصول إلى النتائج.
إرث خالد بعد الرحيل
رحل أحمد زويل عن عمر ناهز 70 عامًا، لكنه ترك وراءه إرثًا علميًا وإنسانيًا واسع التأثير. فمع اختراعه وتقنيته التي جعلت زمن التفاعلات الكيميائية مرئيًا تقريبًا، أصبح اسمه مرادفًا للعالم المصري القادر على صنع إنجاز يغير مسار تخصصه ويصل إلى أعلى منصات التقدير العالمية. ومع مرور السنوات، ظل أحمد زويل حاضرًا في ذاكرة المصريين، لا بوصفه عالمًا فحسب، بل باعتباره مثالًا على التميز الذي يجمع بين الشغف والمعرفة والإصرار.
وبمناسبة ذكرى رحيله العاشرة، تعود سيرته لتذكّر الأجيال بأن الحلم يمكن أن يولد في مدينة صغيرة، وأن الطريق إلى العالمية يبدأ من اجتهاد يومي، ويستمر عبر عقل يقترب من الحقيقة—تمامًا كما اقترب زويل من زمن الفيمتوثانية ليكشف أسرار التفاعل من الداخل.

التعليقات