أشارت دراسة حديثة إلى أن الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي لا يضمن دائمًا تحسين جودة القرارات أو رفع دقة المعلومات، بل قد ينتج عنه أثر جانبي مقلق يتمثل في زيادة الثقة بالإجابات غير الصحيحة. ووفقًا للباحثين، قد يؤدي ذلك إلى تشبث المستخدمين بمعلومة خاطئة بدلًا من مراجعتها أو الاعتراف بعدم المعرفة، وهو ما قد ينعكس سلبًا على مجالات التعليم والعمل واتخاذ القرارات اليومية.
ثقة أكبر مع دقة أقل
قادت الدراسة فاليريو كابرارو، أستاذ علم النفس في جامعة ميلانو-بيكوكا. وخلصت النتائج إلى أن المشاركين الذين تلقوا نصائح غير دقيقة صادرة عن الذكاء الاصطناعي قدموا إجابات أقل دقة، وفي الوقت نفسه أظهروا مستوى أعلى من الثقة بصحة تلك الإجابات. بمعنى آخر: الذكاء الاصطناعي قد يغير تقييم الشخص لنفسه وللمعلومة التي أمامه، فيقتنع بها أسرع حتى إن كانت خاطئة.
لماذا قد يحدث ذلك؟ (تأثير اليقين)
يرى الباحثون أن أحد الأسباب المحتملة يتمثل في أن الذكاء الاصطناعي قد يقلل “عقبة التحقق” التي يحتاجها الإنسان عادةً قبل اتخاذ قرار أو تقديم إجابة. فعندما يحصل المستخدم على صياغة واثقة وسريعة من نموذج ذكاء اصطناعي، قد تتراجع الحاجة إلى التوقف والتأكد، فيستبدل الشخص عملية المراجعة الداخلية بتقييم مبني على ما يبدو مقنعًا.
واللافت أن الأثر لم يقتصر على الحالات التي يطلب فيها المستخدم النصيحة؛ فقد استمر التأثير حتى عندما عرضت الدراسة نصائح الذكاء الاصطناعي بشكل تلقائي دون طلب مباشر، ما يعني أن مجرد التعرض للمعلومة قد يكون كافيًا لرفع مستوى الثقة وتوجيه القرار.
كيف صُممت الدراسة؟
اعتمد الباحثون على ستة أسئلة تتعلق بتفاصيل غامضة في أفلام سينمائية، وتم اختيارها عمدًا لأن نموذج الذكاء الاصطناعي كان يجيب عنها بشكل خاطئ باستمرار. وبذلك، تمكنت الدراسة من قياس تأثير استشارة الذكاء الاصطناعي بذاته، بعيدًا عن جودة الإجابة الناتجة عنه.
وتتضمن التجربة عنصرًا يسمح بالمقارنة بين أشخاص لا يستخدمون الذكاء الاصطناعي وآخرين يتعاملون معه، مع رصد: الدقة في الإجابات، ومدى استعداد المشاركين للاعتراف بعدم المعرفة، ونسبة من يختار عدم الإجابة عندما تكون الحقيقة غير مؤكدة.
أرقام توضح الفارق
أظهرت النتائج أن المشاركين الذين لم يستخدموا الذكاء الاصطناعي امتنعوا عن الإجابة في نطاق يقارب 36% إلى 44% من الحالات. بينما انخفضت هذه النسبة إلى ما بين 3% و6% فقط لدى وجود مساعد الذكاء الاصطناعي، ما يشير إلى أن المستخدم يميل إلى “إكمال المهمة” بالإجابة حتى عندما لا تكون المعلومة موثوقة.
في المقابل، تراجعت الدقة بوضوح: فقد انخفضت نسبة الإجابات الصحيحة من 27.5% عند الإجابة بشكل مستقل إلى 9.2% عند الاعتماد على الذكاء الاصطناعي.
هل ساعدت الحوافز المالية أو العقوبات؟
لم تُلغِ التجربة التأثير الأساسي حتى عند إضافة حوافز مالية ومخاطر مرتبطة بالإجابات. صحيح أن الحوافز جعلت المشاركين أكثر حذرًا من ناحية السلوك العام، لكنها لم تمنع ظاهرة رفع الثقة بالإجابات الخاطئة عند الاعتماد على الذكاء الاصطناعي.
يؤكد الباحثون هنا أن دور الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون مساندًا للحكم البشري وتعزيزًا له، وليس بديلًا عنه أو مرجعًا نهائيًا دون تحقق.
لماذا تقلق هذه النتيجة؟ (التعليم والأجيال الجديدة)
أبدى الباحثون قلقًا من انتقال هذا النمط إلى الأطفال والطلاب، لأن الاعتماد المتكرر على “إجابات فورية” من روبوتات الدردشة قد يحرم المتعلم من لحظة الشك والتساؤل، وهي جزء أساسي من التعلم واكتساب المعرفة بشكل صحيح. فبدلًا من تعلّم كيفية بناء الدليل وفحص المعلومة، قد يعتاد المتعلم على قبول الناتج لأنه “مقدم بثقة”.
وتُظهر تقارير حديثة أن جزءًا متزايدًا من الشباب يستخدم روبوتات الدردشة للحصول على مساعدة حتى في مواقف يومية وتواصل مباشر، وهو ما قد يؤثر في مهارات التفكير النقدي والقدرة على تمييز ما يحتاج إلى تحقق.
كيف يمكن تقليل الضرر؟ (إرشادات عملية)
لتجنب الوقوع في فخ الثقة الزائدة، يمكن اتباع نهج عملي عند استخدام الذكاء الاصطناعي:
- عامل الإجابة كنقطة بداية وليس حكمًا نهائيًا.
- اطلب مصادر أو تحقق عبر مصادر مستقلة (كتب، مقالات موثوقة، قواعد بيانات).
- سؤال الذكاء الاصطناعي عن سبب الإجابة وما الذي يستند إليه بدل الاكتفاء بالناتج.
- اعترف بعدم المعرفة عند الحاجة؛ فالاعتراف ليس ضعفًا بل خطوة نحو تعلم أدق.
- وازن بين السرعة والدقة: إذا كانت المعلومة حساسة (صحية، قانونية، مالية)، فلا تعتمد على إجابة واحدة.
في النهاية، لا تكمن الخطورة فقط في احتمال ظهور معلومات خاطئة، بل في أن الذكاء الاصطناعي قد يمنح المستخدم شعورًا مفرطًا باليقين، فيتخذ قرارًا بناءً على معلومة غير صحيحة. والحل ليس “إلغاء” التكنولوجيا، بل استخدامها بطريقة تضمن استمرار التفكير النقدي والتحقق، بحيث يبقى الإنسان صاحب القرار.

التعليقات