أكد زاهد محمود، مدير معهد الدراسات الاستراتيجية للسلام والصراعات، أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي باقري، بشأن انقطاع التواصل مع الولايات المتحدة حول المباحثات الجارية، تُعد جزءًا من الرسائل السياسية التي تلجأ إليها الدول خلال فترات التصعيد، بغية تأكيد ثبات مواقفها وتجنب تقديم أي إشارات عن التراجع تحت ضغط الأوضاع العسكرية.
وأضاف محمود خلال مداخلة مع قناة «القاهرة الإخبارية»، أن التصعيد العسكري لا يلغي احتمالات استمرار الاتصالات السياسية، مشيرًا إلى أن التاريخ مليء بأمثلة لأزمات دولية استمرت فيها قنوات الاتصال خلف الكواليس، رغم الظاهر من تصعيد عسكري مكثف، بهدف احتواء الأزمة ومنع انزلاقها إلى مرحلة أعقد. وأوضح أن مثل هذه القنوات تكون غالبًا غير معلنة، وتعمل في سرية للوصول إلى فرص حقيقية للتفاوض.
وأشار محمود إلى أن الصراعات العالمية غالبًا ما تتسم بتداخل أدوات القوة العسكرية والدبلوماسية. فاللجوء إلى القوة لا يعدو كونه وسيلة لتحسين المواقف أو تحقيق مكاسب قصيرة الأمد، بينما تسعى الأطراف في النهاية إلى تحقيق تسوية نهائية عبر الدبلوماسية، حيث يؤكد محمود أن الحسم الحقيقي للأزمات لا يتم على ساحات القتال بل على طاولات الحوار.
وشدد محمود على أن الحلول العسكرية، حتى لو حققت مكاسب على المدى القريب، لا تضمن استدامة الاستقرار ما لم تُعزَّز بتسويات سياسية شاملة تعالج جذور النزاع. وأضاف أن الدبلوماسية تبقى السبيل الأنجح لإنهاء الصراعات الممتدة، حيث تتيح إرساء حلول توازن بين المصالح المتضاربة وتجنب التصعيد المستمر.
وعن التفاوض، أشار محمود إلى أن الجمود أو التعثر قد يظل حاضرًا مع تصاعد العمليات العسكرية، إلا أن ذلك لا يعزز فكرة التخلي عن مسار التفاوض بشكل كامل. فغالبًا ما تستمر قنوات الوساطة بسرية، مما يتيح فرصًا لتحريك المسار عند توفر الظروف الملائمة لاستئناف المفاوضات مباشرة.
وتناول مدير المعهد دور المجتمع الدولي في احتواء الأزمات، حيث لفت إلى جهود الوساطة المستمرة، في ظل الإدراك العالمي بأن التصعيد العسكري يحمل تداعيات إقليمية ودولية خطيرة. وأوضح أن المبادرات الدولية تستهدف منع امتداد دائرة الصراع، مع التركيز على تخفيف الضغوط وتهيئة أجواء تعزز فرص الحوار.
وفي سياق الموضوع، تحدث محمود عن موقف إيران من الهجمات الأمريكية، حيث أشار إلى أن طهران تتحلى بضبط النفس ولم تقم بأي رد عسكري مباشر حتى الآن، وهو ما يعكس، وفقًا لتقديره، حرص الجانب الإيراني على الإبقاء على مساحة للمناورة السياسية والبحث عن تسويات، إلى جانب إرسال رسائل تؤكد ثبات مواقفها الاستراتيجية.
واختتم محمود تصريحاته بالحديث عن الحالة الراهنة، التي وصفها بأنها حالة من التوازن الحذر بين التحركات العسكرية والجهود السياسية. وأوضح أن جميع الأطراف تسعى للاحتفاظ بأوراق الضغط الخاصة بها، مع إبقاء المجال مفتوحًا أمام المبادرات الدبلوماسية التي قد تساعد في تقليل حدة التصعيد وإحياء مفاوضات أكثر جدية، باعتبارها الطريق الأكثر واقعية لتحقيق الاستقرار وتجنب الانزلاق إلى مواجهات أوسع.
على صعيد آخر، ترى بعض الدراسات أن استمرار التوازن بين القوة العسكرية والدبلوماسية قد يدعم فرص الحلول المستدامة، خاصة في مناطق الشرق الأوسط التي تتأثر بمعادلات سياسية معقدة. كما تُشدد تقارير دولية على أهمية تعزيز دور الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في منع تحول الصراعات إلى أزمات ممتدة تضر بالمصالح الإقليمية والدولية.

التعليقات