التخطي إلى المحتوى

تحافظ الأرصاد الجوية السعودية على مسار تطوير متدرّج يتواكب مع نهضة المملكة منذ عقود طويلة، انتقل خلاله العمل الأرصادي من الاعتماد على الرصد اليدوي والخرائط الورقية إلى منظومات رقمية متقدمة توظّف الذكاء الاصطناعي، والنماذج العددية، والأقمار الصناعية، والرادارات الحديثة، والحوسبة فائقة الأداء. ويهدف هذا التطور إلى رفع دقة التنبؤات الجوية، وتحسين الجاهزية للطوارئ، وتعزيز حماية الأرواح والممتلكات، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تدفع نحو التحول الرقمي والاستدامة البيئية ودعم التنمية.

بدأت رحلة القطاع الأرصادي في المملكة خلال خمسينيات القرن الماضي عبر أدوات بسيطة وتقارير المراقبين الجويين وخرائط تُرسم يدويًا، إضافة إلى محطات رصد محدودة داخل المطارات الرئيسة وتعتمد على أجهزة قياس تقليدية. ثم شهدت المرحلة المبكرة تحولًا مؤسسيًا تدريجيًا؛ حيث أُنشئت مديرية الأمور العسكرية في فترة 1930–1940م، وكان لها دور في شؤون الأرصاد، لتتبعها لاحقًا إدارة الأنواء الجوية (1940–1950م)، ثم المديرية العامة للأرصاد الجوية (1950–1966م)، وبعدها مصلحة الأرصاد الجوية (1966–1981م)، بما يضمن توفير خدمات داعمة للطيران المدني والملاحة الجوية.

ومع توسع الحركة الجوية وتزايد الاحتياجات التنموية، برزت الحاجة إلى جهة وطنية تنظم الرصد وتضمن استمرارية البيانات ودقتها. لذلك تم تأسيس مصلحة الأرصاد وحماية البيئة خلال الفترة 1981–2001م بوصفها كيانًا حكوميًا متخصصًا، ما ساهم في الارتقاء بخدمات الرصد اليومي وإصدار النشرات الجوية ودعم الملاحة الجوية. كما انعكس توسع الشبكات على إنشاء محطات أكثر في مختلف مناطق المملكة، وتطوير أساليب جمع البيانات لتصبح لاحقًا قاعدة معلومات مناخية مرجعية للباحثين والمختصين.

ومع اتساع نطاق الاهتمام البيئي إلى جانب الأرصاد، تطورت الجهة إلى الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة (2001–2016م)، وشملت مرحلة التطوير توسيع شبكات الرصد السطحية والعليا، وتحديث أجهزة القياس، وإدخال أنظمة الإنذار المبكر، وتعزيز التعاون مع الجهات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO). كذلك جرى رفع كفاءة الكوادر الوطنية عبر برامج التدريب والتأهيل، وجرى الاعتماد على صور الأقمار الصناعية والرادارات الجوية وربط محطات الرصد إلكترونيًا بمراكز التنبؤ، وهو ما أسهم في تحسين جودة التوقعات ورفع دقتها.

ثم جاءت مرحلة الهيئة العامة للأرصاد وحماية البيئة (2016–2019م) لتشكل نقطة تحول إضافية عبر تعميق التحول الرقمي وإطلاق خدمات إلكترونية، مع تعزيز دور فروع ومحطات الرصد المنتشرة في المناطق وربطها بمنظومات الرصد الآلي. وتم تطوير قواعد بيانات مناخية أكبر، والاستفادة من النماذج العددية العالمية في إنتاج التوقعات الجوية، إلى جانب تطوير خدمات الإنذار المبكر للحالات الجوية المؤثرة. وخلال هذه الفترة اتجهت العمليات بشكل ملحوظ نحو الأتمتة وتقليل الإجراءات الورقية، لتصبح معالجة البيانات أسرع وأكثر كفاءة من السابق.

وفي عام 2019م صدر قرار مجلس الوزراء بإلغاء الهيئة وإنشاء المركز الوطني للأرصاد ليكون الجهة المختصة بالأرصاد والإنذار المبكر، في حين انتقلت المسؤوليات البيئية إلى مراكز وطنية متخصصة ضمن منظومة البيئة. وقد جاء إنشاء المركز الوطني بهدف تطوير البنية الوطنية للأرصاد بما يتماشى مع تسارع التحول الرقمي، وتوسيع شبكات الرصد، وتوظيف الذكاء الاصطناعي، وتطوير النماذج العددية الوطنية، وتعزيز منظومة الإنذار المبكر. وبذلك بدأت مرحلة جديدة تقوم على بناء منظومة رقمية متقدمة تعتمد على أحدث التقنيات العالمية.

يشمل ذلك توسع شبكة محطات الرصد الآلية، واستخدام رادارات الطقس، وتفعيل محطات الرصد البحرية والجوية، والاستفادة من بيانات الأقمار الصناعية العالمية، إلى جانب تشغيل نماذج عددية عالية الدقة على حواسيب فائقة لمحاكاة تطور الغلاف الجوي وإنتاج توقعات أدق. ومعالجة البيانات تتم عبر دمج مصادر متعددة؛ مثل البيانات القادمة من محطات الرصد الأرضية والرادارات والأقمار الصناعية ومحطات الرصد البحرية، ثم تحليلها بطرق تعتمد على التعلم الآلي لاستخراج الأنماط الجوية وتحسين التنبؤات، خصوصًا في الحالات التي تشهد تباينًا سريعًا مثل العواصف الرملية والأمطار الغزيرة.

وتتجه الأرصاد في المملكة إلى مرحلة أعمق من التطوير باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، والحوسبة السحابية، وإنترنت الأشياء، والطائرات المسيّرة، والاستشعار عن بُعد. وتُترجم هذه التقنيات عمليًا إلى تحسين سرعة إصدار الإنذارات وزيادة استباقية الخدمات الأرصادية، بما يدعم جاهزية الدولة لمواجهة الظواهر الجوية المتطرفة.

ومن أبرز ملامح التطور كذلك العمل على بناء نموذج عددي سعودي للتنبؤات الجوية، يهدف إلى محاكاة الغلاف الجوي فوق المملكة والمنطقة بالاستناد إلى الخصائص المحلية والمناخية. ويسهم هذا النموذج في تقليل هامش الخطأ وتحسين دقة التنبؤات عبر استقبال ملايين البيانات يوميًا من محطات رصد أرضية ورادارات وأقمار صناعية ومحطات بحرية وعليا، ثم معالجتها عبر تقنيات النمذجة العددية مع الاستفادة من الذكاء الاصطناعي. ويمكّن النموذج من تقديم توقعات تفصيلية تشمل درجات الحرارة، والأمطار، والرياح، والظواهر الجوية المتطرفة، والعواصف الرملية.

كما عززت المملكة منظومات الرصد عبر شبكة متنامية من الرادارات ومحطات الرصد الآلية التي تعمل على مدار الساعة لقياس عناصر الطقس مثل الحرارة والرطوبة والضغط الجوي وسرعة الرياح واتجاهها وكميات الأمطار. وتتكامل هذه البيانات مع صور لحظية من رادارات الطقس تساعد المختصين على متابعة تطور السحب وإصدار الإنذارات المبكرة قبل وقوع الحالات المؤثرة. ومع الاستفادة من بيانات الأقمار الصناعية والبيانات البحرية والجوية والاستشعار عن بعد، تتشكل قاعدة بيانات كبيرة يجري تحليلها بهدف تحسين جودة التوقعات وتسريع الاستجابة.

ومن جهة داعمة للبحث والابتكار، يسهم التعاون العلمي مع الجامعات ومراكز الأبحاث في تطوير أدوات تساعد على تحسين التنبؤ. فعلى سبيل المثال، توظف جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) الذكاء الاصطناعي ضمن أبحاثها المتعلقة بالأرصاد ونمذجة الطقس والمناخ عبر مجموعات بحثية متخصصة. وتشمل مجالات الاهتمام التنبؤ بالعواصف الرملية والغبار وموجات الحر والأمطار الغزيرة، واستخدام الذكاء الاصطناعي مع نماذج فيزيائية لتحسين دقة التنبؤات، وبناء أنظمة إنذار مبكر، وتطوير نماذج رقمية للبيئة (Digital Twin)، وتقديم مساهمات في تطوير نظم الرصد وتحليل بيانات المناخ لدعم صناع القرار.

ويظهر أثر هذا التوجه أيضًا في جانب التعليم والبحث العلمي؛ إذ تسعى المؤسسات الأكاديمية إلى مواكبة التحول عبر توظيف الأدوات الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي في تدريس وتطبيقات الأرصاد. ويشمل ذلك استخدام نظم المعلومات الجغرافية (GIS)، وتقنيات الاستشعار عن بعد، وتحليل البيانات المناخية والبيئية، وربط نتائج الأبحاث بتحديات مثل إدارة الموارد المائية وتقييم أثر التغيرات الجوية على الزراعة والطيران والتخطيط العمراني.

وفي مجال التطبيقات العملية التي تخدم الاستدامة والأمن المائي، يبرز برنامج الاستمطار الصناعي كأحد التحولات المهمة. يعتمد البرنامج على دمج علوم الأرصاد الجوية والطيران والتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي لزيادة فرص هطول الأمطار وتعزيز الموارد المائية. وتُجرى دراسة دقيقة للحالات الجوية المناسبة عبر تحليل بيانات الأقمار الصناعية ورادارات الطقس ومحطات الرصد الأرضية والنماذج العددية عالية الدقة قبل تنفيذ طلعات جوية تُطلق خلالها طائرات مجهزة مواد صديقة للبيئة داخل السحب الركامية الملائمة لتحفيز تكاثف بخار الماء.

ومع تطور التقنيات داخل المركز الوطني للأرصاد، أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي تسهم في دعم عمليات الاستمطار من خلال تحليل بيانات آنية بكميات كبيرة، والتنبؤ بتطور السحب، وتحديد أنسب المواقع والارتفاعات والأوقات لتنفيذ البذر. وتقوم المنظومة على تكامل رادارات متقدمة وصور أقمار صناعية وطائرات مجهزة وفِرق خبراء من مجالات الأرصاد والطيران والفيزياء الجوية، بما يضمن تنفيذ العمليات وفق أسس علمية ومعايير دولية.

ولا تقف فوائد الاستمطار عند زيادة كمية الأمطار فقط، بل تمتد إلى دعم الأمن المائي وتعزيز تغذية المياه الجوفية وتحسين الغطاء النباتي وتقليل آثار الجفاف. كما ينسجم ذلك مع توجهات المملكة نحو الاستدامة البيئية وجودة الحياة، ويعكس كيف تطور الأرصاد من مجرد رصد وتوقع إلى دور فعّال في إدارة الموارد الطبيعية.

في المحصلة، تتقدم الأرصاد الجوية في السعودية نحو نموذج أكثر تكاملًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء ودمج مصادر البيانات المتعددة، لتصبح التوقعات أكثر دقة والإنذارات أكثر سرعة، ولتحسين دعم القطاعات الحيوية مثل الطيران والزراعة وإدارة المياه والطاقة والسياحة والدفاع المدني والفعاليات الكبرى. وبفضل هذا التطور، تواصل المملكة تعزيز حضورها إقليميًا ودوليًا في المنظومة الإرصادية والمناخية، وتؤكد مكانتها بوصفها شريكًا فاعلًا في حماية الأرواح والممتلكات ودعم التنمية المستدامة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *