تشهد العلاقات الاقتصادية بين مصر والولايات المتحدة تطورًا مستمرًا في إطار شراكة استراتيجية طويلة المدى، انعكست في زيادة أحجام التبادل التجاري، وتوسع الاستثمارات الأمريكية داخل السوق المصرية، فضلًا عن توسيع مجالات التعاون لتشمل الصناعة والطاقة والاتصالات والتكنولوجيا والزراعة والابتكار. ويُنظر إلى هذه الشراكة كرافعة مهمة لدعم التنمية الاقتصادية في مصر عبر نقل الخبرات، ورفع كفاءة التشغيل، وتوفير فرص عمل جديدة.
## الولايات المتحدة ضمن أبرز الشركاء التجاريين لمصر
تحتل الولايات المتحدة موقعًا متقدمًا ضمن قائمة الشركاء التجاريين لمصر، إذ يدور حجم التبادل التجاري بين البلدين حول 9 إلى 10 مليارات دولار سنويًا، مع تسجيل نمو واضح خلال العام الماضي ليصل إلى نحو 12 مليار دولار. ويتميز هذا التبادل بالتنوع؛ فبينما تركز الصادرات المصرية على المنتجات الصناعية والزراعية والكيماوية، ترتكز الواردات على السلع الرأسمالية والتقنيات المتقدمة.
تشمل أبرز الصادرات المصرية إلى السوق الأمريكية الملابس الجاهزة والمنسوجات والمنتجات الزراعية والكيماويات والأسمدة ومواد البناء. وفي المقابل تستورد مصر من الولايات المتحدة الحبوب، والآلات والمعدات، والمنتجات التكنولوجية، والطائرات والأجهزة الطبية، إضافةً إلى حلول وخدمات مرتبطة ببعض القطاعات ذات الطابع التكنولوجي.
## استثمارات أمريكية تدعم قطاعات حيوية داخل الاقتصاد المصري
بحسب تصريحات عمر مهنا رئيس غرفة التجارة الأمريكية، فإن الولايات المتحدة تعد من الدول المتقدمة بين الجهات التي تستثمر في مصر، حيث تشير التقديرات إلى حجم استثمارات يقارب 25 مليار دولار في مجمل الأنشطة خلال فترات مختلفة. وتعمل مئات الشركات الأمريكية داخل السوق المصرية، مع تركّز استثماراتها بصورة ملحوظة في قطاعات مثل البترول والغاز والطاقة المتجددة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والخدمات المالية والصناعة والسياحة.
وتؤدي غرفة التجارة الأمريكية دورًا محوريًا في تعزيز العلاقات الاقتصادية من خلال تسهيل التواصل بين الشركات وتوسيع فرص الأعمال. كما تسهم الاستثمارات الأمريكية في نقل التكنولوجيا الحديثة إلى جانب رفع كفاءة العمالة المصرية، وزيادة معدلات الإنتاج والتصدير. وتُترجم هذه النتائج إلى خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة عبر سلسلة الإمداد والخدمات المرتبطة بالمشروعات.
## اتفاقية الكويز: محرّك لنمو صادرات الملابس والنسيج
تُعد اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة (الكويز) أحد أهم أدوات تنشيط التعاون التجاري بين البلدين، إذ تتيح دخول منتجات مصرية — خاصة الملابس الجاهزة والمنسوجات — إلى الأسواق الأمريكية دون جمارك، بشرط الالتزام بقواعد المنشأ. وقد انعكس ذلك على أداء القطاع؛ إذ ساهمت الاتفاقية في دفع صادرات الملابس الجاهزة المصرية لتتجاوز 1.2 مليار دولار، فضلًا عن دعم جذب استثمارات جديدة إلى الصناعات النسيجية.
كما ترتبط قيمة الكويز بتأثيرها على تحسين تنافسية المنتج المصري، وتشجيع تحديث سلاسل الإنتاج ورفع جودة التصنيع بما يتوافق مع اشتراطات السوق الأمريكية.
## توسيع التعاون في الصناعة والطاقة والتحول الرقمي
لم يعد التعاون بين البلدين محصورًا في التجارة التقليدية فقط، بل يتجه بشكل متزايد نحو مشروعات ذات قيمة مضافة. وتشهد العلاقات الاقتصادية تعاونًا متزايدًا في مجالات الطاقة التقليدية والمتجددة، والهيدروجين الأخضر، والتحول الرقمي، والبنية التحتية، والأمن الغذائي. كذلك تقوم بعض الشركات الأمريكية بدعم مشروعات صناعية كبرى عبر الشراكة في التمويل والخبرة الفنية وبناء القدرات.
وفي السياق نفسه، يتوسع التعاون ليشمل الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والتكنولوجيا المالية، وريادة الأعمال. وتتماشى هذه التوجهات مع مساعي مصر للتحول إلى مركز إقليمي للتكنولوجيا والاستثمار، بما يعزز جذب الشركات العالمية ويدعم نمو الشركات المحلية.
## مناخ استثماري متحسن وشراكات عبر المنتديات
تولي الولايات المتحدة أهمية للإصلاحات الاقتصادية التي تنفذها مصر لتحسين مناخ الاستثمار. وتشمل هذه الإصلاحات تبسيط الإجراءات، وتطوير الإطار التشريعي، وإتاحة أدوات تحفيزية مثل الرخصة الذهبية، فضلًا عن التوسع في المناطق الصناعية والاستثمارية. ومن شأن هذه الخطوات أن تزيد من جاذبية مصر للمزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
كما تحرص المؤسسات والجهات الاقتصادية الأمريكية على المشاركة في المنتديات الاستثمارية التي تستضيفها مصر بهدف استكشاف فرص التعاون في قطاعات متعددة، وتوسيع قاعدة الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
## آفاق واعدة لزيادة قيمة التعاون خلال المرحلة المقبلة
يرى خبراء الاقتصاد أن الفترة المقبلة تحمل فرصًا كبيرة لتعزيز العلاقات الاقتصادية المصرية الأمريكية، خصوصًا في ظل اتجاه الدولة نحو توطين الصناعة وزيادة الصادرات إلى مستويات مستهدفة على المدى الطويل. وتُعد الصناعات ذات القيمة المضافة من أبرز المجالات التي يمكن أن تستوعب استثمارات أمريكية إضافية، بما في ذلك:
– الغزل والنسيج والصناعات المرتبطة بسلاسل القيمة.
– الصناعات الهندسية التي تعتمد على التصنيع والعمليات المتقدمة.
– الأدوية والمنتجات الصحية التي تتطلب كفاءة تنظيمية واستثمارًا في الجودة.
– الطاقة النظيفة والتحول في سلاسل الإمداد المرتبطة بها.
– الخدمات اللوجستية والتشغيل المرتبط بالتجارة والتصدير.
## الاستثمارات الأمريكية في مصر بالأرقام
تعد الولايات المتحدة ثاني أكبر مصدر للاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى مصر خلال العام المالي 2024/2025 بعد الإمارات. فقد بلغت تدفقات الاستثمارات الأمريكية نحو 3.2 مليار دولار، بما يعادل 13.8% من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى البلاد. كما بلغ رصيد الاستثمارات الأمريكية غير البترولية في مصر نحو 2.5 مليار دولار موزعة على 2,152 شركة حتى نهاية يناير 2026.
وفي قطاع الطاقة، تستثمر شركات أمريكية عبر شركات عالمية كبرى داخل منظومة البترول والغاز، ومن أمثلتها Apache وChevron وExxonMobil وBaker Hughes وHalliburton، بما يعكس اتساع نطاق النشاط الاستثماري وتعدد القطاعات التي تستفيد من الخبرة العالمية.
ومع استمرار تحسن بيئة الاستثمار وارتفاع اهتمام الشركات الأمريكية بالقطاعات الواعدة في مصر، تزداد فرص نمو التعاون التجاري والصناعي والتكنولوجي، بما يحقق مصالح الطرفين ويعزز معدلات النمو الاقتصادي وفرص العمل في مصر.

التعليقات