في إطار أعمال التنقيب العلمية المستمرة بجبانة البوباسطيون ضمن منطقة سقارة، أعلنت البعثة الأثرية المصرية نجاحها في الكشف عن ثلاث مقابر صخرية تعود إلى عصر الدولة الحديثة. ويأتي الاكتشاف خلال حفائرها بالقطاع الشرقي للحافة الجبلية بالموقع، حيث أسفر عن العثور على نقوش هيروغليفية وعناصر زخرفية وأثرية مهمة تضيء على جوانب جديدة من تاريخ منف وجباناتها.
وأكد وزير السياحة والآثار أن هذا الكشف يعكس استمرار غنى منطقة سقارة بالكنوز الأثرية التي لم تكتشف بعد، مشيرًا إلى أن سلسلة الاكتشافات المتتابعة تعزز مكانة سقارة كأحد أهم مواقع التراث العالمي، وأن كل مشروع علمي جديد يضيف خطوة فعلية نحو فهم أعمق للحضارة المصرية القديمة.
ومن جانبه، أوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار أن أهمية الاكتشاف لا تقف عند حدود العثور على مقابر جديدة، بل تمتد لاستعادة سرديات أصحابها وربط ما كُتب على جدرانها بحياتهم ووظائفهم وعلاقاتهم داخل المجتمع. كما شدد على أن ما تحمله هذه المقابر من نقوش وألقاب يمنح الباحثين مادة غنية لدراسة البنية الاجتماعية والإدارية في عصر الدولة الحديثة.
## تفاصيل المشروع والكشف المتوقع بالمواسم المقبلة
يلفت مسؤولو قطاع الآثار إلى أن أعمال الحفائر ضمن مشروع دراسة جبانة البوباسطيون تستهدف أيضًا مناطق لم تُكشف بعد، إضافة إلى متابعة التنقيب داخل آبار الدفن. وتشير الخطة إلى أن المواسم المقبلة قد تكشف معلومات إضافية تسهم في تحديد أدق لهويات أسر أصحاب المقابر، وتوثيق تطور استخدام أجزاء مختلفة من جبانة البوباسطيون خلال الدولة الحديثة.
كما أفاد مدير عام منطقة آثار سقارة بأن المقبرة الأولى تعود لشخص يُدعى “منتوحتب”. وتتميز جدرانها الشمالية بمناظر متقنة تتضمن مشاهد لحاملي القرابين وأعمال الصيد، إلى جانب تصوير لصاحب المقبرة جالسًا مع والدته “إعح حتب”. ويُعد هذا الأسلوب الزخرفي مؤشرًا واضحًا على المكانة الاجتماعية التي تمتع بها أفراد الأسرة، وعلى أهمية حضور الأم في السرد الجنائزي.
## ألقاب إدارية وعسكرية على جدران المقبرة الأولى
وقد سجلت نقوش المقبرة مجموعة من الألقاب المهمة التي تحمل دلالات وظيفية وإدارية واضحة، من بينها: الأمير الوراثي، والعمدة، والتابع للملك، والذي يسعد قلب الحاكم، إلى جانب ألقاب مرتبطة بالإدارة والإشراف على البلاد الأجنبية والإشراف على جيش مدينة خبشيت. وتشير هذه التسميات إلى أن “منتوحتب” كان من كبار رجال الدولة الذين يشاركون في مهام تنظيمية وإدارية مرتبطة بالسلطة والحضور العسكري.
وتضم المقبرة بئر دفن لم تُستكمل أعمال الحفائر بداخله بعد، ومن المقرر استئناف التنقيب في الموسم الأثري المقبل. ويُتوقع أن يسهم ذلك في الكشف عن تفاصيل إضافية حول والدة منتوحتب، وربما عن امتداد هذه الأسرة في المناصب المرتبطة بإدارة الدولة خلال تلك الفترة.
## المقبرة الثانية: سجل عائلي يبرز أدوار المرأة والابناء
أما المقبرة الثانية فتعود لشخص يدعى “بارع إم وايا”، المعروف أيضًا باسم “ساموت”، والذي حمل لقب كبير التجار ببيت بتاح. وتمثل المقبرة—بحسب ما تم رصده—سجلًا عائليًا متكاملًا، حيث حفظت النقوش أسماء زوجته “توي” بلقب سيدة البيت، واسم والدته “أتبيو” بلقب مغنية المعبود آمون. كما تضمنت أسماء أبنائه الأربعة، وهو ما يوفر مادة نادرة لفهم الحياة الأسرية والاجتماعية لشخصية بارزة في عصر الدولة الحديثة.
وتكتسب هذه العناصر أهميتها لأنها تُظهر كيف ارتبطت المكانة الاقتصادية أو الوظيفية (كالتجارة) بمكانة الأسرة داخل المؤسسة الدينية والاجتماعية، من خلال الألقاب المرتبطة بالمرأة ودورها في طقوس العبادة.
## المقبرة الثالثة: نقوش متبقية تكشف إشارات لصلات خارجية
تعود المقبرة الثالثة إلى شخص يُدعى “نحسي”، ورغم أنها في حالة سيئة من الحفظ، فإن المتبقي من نقوشها يحمل قيمة تاريخية واضحة. وقد أمكن التعرف على اسم صاحبها ولقبه، بالإضافة إلى اسم زوجته “نفرو بتاح” التي حملت لقب سيدة البيت.
ومن أبرز ما تم العثور عليه جزء من عمود يتضمن نصًا هيروغليفيًا يشير إلى عودة أحد القادة من بلاد نهرن الواقعة شمال سوريا. وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة لكونها تمثل شاهدًا جديدًا على طبيعة العلاقات المصرية مع مناطق الشرق الأدنى خلال عصر الدولة الحديثة، سواء من زاوية التحركات العسكرية أو الاتصالات السياسية والإدارية.
## دلالات ثقافية وتاريخية للاكتشاف
يُسهم هذا الكشف في توسيع فهم الباحثين لطبيعة جبانة البوباسطيون في سقارة، باعتبارها مساحة دفن لأفراد من خلفيات مختلفة تجمع بين المناصب الإدارية والعسكرية والاقتصادية، إضافة إلى حضور واضح للتراث الجنائزي الذي يوثق دور الأسرة والنساء وألقابهم داخل المجتمع. كما أن وجود نصوص هيروغليفية تتضمن إشارات لأحداث خارجية يعزز الصورة عن مدى تفاعل مصر مع محيطها الإقليمي خلال الدولة الحديثة.
وبمتابعة التنقيب داخل آبار الدفن واستكمال أعمال الحفر في المناطق غير المكتشفة بعد، تتوقع البعثة أن تُسفر الجولات المقبلة عن معطيات إضافية تُعيد ترتيب بعض جوانب المعرفة عن أصحاب هذه المقابر وعلاقاتهم ووظائفهم، وتضيف صفحات جديدة إلى سجل جبانة سقارة الغني بالشواهد الأثرية.

التعليقات