في مثل هذا اليوم، 19 يوليو 2019، سطّر المنتخب الجزائري فصلًا جديدًا في سجل كرة القدم الأفريقية، بعدما توّج بلقب كأس الأمم الأفريقية للمرة الثانية في تاريخه، مستعيدًا عرشه القاري بعد غياب طويل دام 29 عامًا عن آخر تتويج قاري حمله عام 1990. وجاء الحسم عندما تغلب “محاربو الصحراء” على السنغال بهدف دون رد في المباراة النهائية التي أُقيمت على استاد القاهرة الدولي، لتتحول الليلة إلى واحدة من أبرز لحظات الجزائر الكروية في القرن.
### هدف مبكر يُربك حسابات السنغال
لم تنتظر الجزائر طويلًا لتفرض إيقاعها على النهائي؛ إذ سجل بغداد بونجاح هدف اللقاء الوحيد في الدقيقة الثانية، مُنهيًا حالة الترقّب ومُعطيًا دفعة نفسية هائلة لزملائه. وبفضل هذا الهدف المبكر، تمكن الفريق من إدارة المباراة بشكل عملي: تقليل المساحات أمام الخصم، والاحتفاظ بالتركيز في الخلف، مع التحول إلى الهجمات المنظمة كلما سنحت الفرصة.
ويُعد هدف بونجاح من أسرع الأهداف في تاريخ النهائيات بكأس الأمم الأفريقية، ما جعله يدخل في ذاكرة البطولة إلى جانب أسماء لامعة سجلت في نهايات سابقة، مثل المصري محمد دياب العطار عام 1957، والنيجيري باتريك أوديغبامي عام 1980 ضد الجزائر.
### السيطرة السنغالية تتعثر أمام دفاع “الخضر”
رغم أن السنغال حاولت استعادة زمام الأمور عقب الهدف المبكر، إلا أن الجزائر كانت جاهزة تكتيكيًا. فقد أظهر الفريقان اختلافًا واضحًا في مرحلة ما قبل توسيع الفروق، حيث ارتفع استحواذ السنغال خلال الشوط الأول ليصل إلى 62% مقابل 38% للجزائر، لكن الاستحواذ لم يتحول إلى خطورة حقيقية مستمرة.
ويرجع ذلك بشكل كبير إلى الانضباط الدفاعي للمنتخب الجزائري، وتناغم خطوطه، والقدرة على قطع الكرات في المناطق الحساسة، إضافة إلى التحكم في إيقاع الخصم ومنع العمق من الوصول إلى الشباك. وبهذا تمكن “الخضر” من الصمود حتى صافرة النهاية، محافظين على تقدمهم بهدف واحد، ومُحرزين لقبًا تاريخيًا.
### ليلة احتفالات تمتد من الجزائر إلى أوروبا
لم تقتصر فرحة التتويج على الأراضي الجزائرية فقط، بل امتدت إلى الخارج أيضًا. فقد عاشت الجماهير الجزائرية احتفالات واسعة في مختلف المدن بعد نهاية المباراة، بينما شهدت مدن فرنسية عدة—من بينها باريس ومرسيليا وليون وليل وستراسبورج—تجمعات جماهيرية كبيرة للاحتفال بالإنجاز القاري. وتحوّلت الشوارع إلى لوحات غناء وترديد للعبارات الوطنية، في مشهد يعكس حجم اللحظة وتأثيرها على الجالية.
### بلماضي يبني منتخبًا يملك “الهوية”
يأتي هذا التتويج تحت قيادة المدير الفني جمال بلماضي، الذي أعاد تشكيل الفريق بأسلوب يجمع بين الصلابة الذهنية والفعالية الهجومية عند اللحظة المناسبة. وقد استطاع بلماضي خلال البطولة بناء منظومة متماسكة فرضت شخصيتها في أغلب مراحل المنافسات، قبل أن تتوج المسيرة برفع الكأس في مصر.
كما أكدت البطولة أن الجزائر كانت قادرة على التكيف مع سيناريوهات مختلفة: من إدارة المباريات الصعبة، إلى الاستمرار في القتال حتى النهاية، وصولًا إلى لحظة النهائي التي جاءت في توقيت مثالي مع هدف مبكر قلب موازين المباراة لصالح “محاربو الصحراء”.
وبهذه النتيجة، لم تستعد الجزائر اللقب فقط بعد 29 عامًا، بل عززت أيضًا مكانتها كأحد أهم الأسماء في تاريخ كأس الأمم الأفريقية، لتبقى ذكرى 19 يوليو 2019 “ليلة خضراء” محفورة في الوجدان الجزائري والعربي والأفريقي.

التعليقات