التخطي إلى المحتوى

تدرس شركة ميتا، المالكة لمنصتي فيسبوك وإنستجرام، التوصل إلى صفقة ضخمة مع شركة أنثروبيك لاستئجار جزء من مراكز البيانات التابعة لها، في خطوة قد تعني دخولًا مباشرًا إلى سوق خدمات الحوسبة السحابية للمرة الأولى. ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، فإن المفاوضات ما تزال في مراحلها الأولية، إلا أنها قد تمتد إلى اتفاق تصل قيمته إلى 10 مليارات دولار خلال عامين، ما يعكس اتساع الفجوة بين الطلب المتزايد على بنية الذكاء الاصطناعي وبين القدرة المحدودة على توفير الحوسبة على نطاق واسع.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تتسارع فيه سباقات تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت مراكز البيانات ليست مجرد عنصر دعم للتشغيل، بل أصلًا استراتيجيًا يمكن تحويله إلى مصدر إيرادات جديد. وتُظهر التحركات الأخيرة مدى تركيز الشركات التقنية الكبرى على بناء شبكات حوسبة قوية قادرة على خدمة النماذج المتقدمة، خصوصًا مع ارتفاع كلفة التدريب والاستدلال (Inference) وتزايد استخدام الذكاء الاصطناعي في المنتجات التجارية.

## ميتا تبحث عن مصدر إيرادات إضافي بعيدًا عن الإعلانات
تاريخيًا اعتمدت ميتا بشكل أساسي على عائدات الإعلانات. لكن التقارير السابقة أشارت إلى أن الشركة بدأت تفكر في استغلال استثماراتها الضخمة في مراكز البيانات عبر تقديم خدمات حوسبة مدفوعة لشركات أخرى. ووفقًا لما سبق أن صرّح به مارك زوكربيرج، فإن ميتا تتلقى بشكل شبه أسبوعي طلبات من شركات ترغب في استئجار قدرات مراكز البيانات، وأن الشركة تنظر إلى هذا المسار باعتباره فرصة مستقبلية واعدة.

ومن المتوقع أن يؤدي تحويل جزء من الطاقة التخزينية والحوسبية إلى خدمات استئجار أو تشغيل سحابي إلى تنويع مصادر دخل ميتا، وتقليل الاعتماد على سوق الإعلانات الذي يتأثر بدورات اقتصادية وتغيرات سلوك المستخدمين. كما يمكن أن يساعد هذا الاتجاه ميتا على تحقيق عوائد أعلى من البنية التحتية التي بنتها بالفعل، بدل أن تبقى الطاقة المتاحة محصورة داخليًا.

## مكاسب متبادلة رغم المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي
رغم أن ميتا وأنثروبيك تتنافسان في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، فإن طبيعة العلاقة في هذه الصفقات غالبًا ما تكون تكاملية. فمن جهة، أنفقت ميتا مليارات الدولارات لتوسيع بنيتها التحتية المخصصة للذكاء الاصطناعي، بما يشمل تجهيزات حوسبة متقدمة ومراكز بيانات وبنية شبكات داعمة. ومن جهة أخرى، تحتاج أنثروبيك إلى قدرات حوسبة كبيرة لتشغيل وتطوير نماذجها، وعلى رأسها نموذج Claude.

وتطرح الصفقة المحتملة صورة واضحة عن كيفية عمل السوق: الشركات التي تمتلك بنية تحتية فائضة أو متقدمة قد تتحول إلى مزوّد خدمات، بينما تحتاج شركات النماذج إلى “وقود” الحوسبة لتوسيع قدراتها وتحسين الأداء وتخفيض زمن الاستجابة.

## استثمارات ميتا الضخمة ترفع أهمية تحويلها إلى خدمات مدفوعة
أعلنت ميتا أنها تتوقع إنفاق ما بين 125 و145 مليار دولار خلال عام 2026 على مشروعات البنية التحتية ومراكز البيانات. وقد أثارت هذه الأرقام تساؤلات حول مدى كفاية العائدات المتوقعة، وبالأخص في ظل المنافسة الشديدة ضمن منظومة الحوسبة السحابية وسباقات الذكاء الاصطناعي.

لكن تحويل جزء من هذه القدرات إلى خدمة مدفوعة يمكن أن يخلق طبقة إيرادات جديدة، حيث تشتري الشركات الأخرى “سعة” جاهزة بدل الاستثمار الكامل في تجهيزاتها من الصفر. وبهذا يصبح قرار الاستثمار في مراكز البيانات أكثر عقلانية ماليًا، لأن الطاقة لا تُستخدم فقط لخدمة منتجات الشركة نفسها، بل تُباع كذلك كخدمة.

## سوابق مشابهة: سوق مؤشرات قوي لصفقات الحوسبة
تجدر الإشارة إلى أن أنثروبيك سبق أن وقّعت اتفاقًا مماثلًا مع شركة xAI التابعة لإيلون ماسك قبل طرحها للاكتتاب العام، في صفقة قُدرت قيمتها بنحو 45 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات. كما رفعت xAI حدود الاستخدام لخدمة Claude بعد الإعلان عن الاتفاقية، وهو ما يُعد مؤشرًا عمليًا على أن توفير موارد الحوسبة ينعكس مباشرة على قدرة الخدمة والاستجابة لمزيد من الطلب.

## ماذا يعني ذلك للمستخدمين والسوق؟
إذا تحققت الصفقة، فقد تترتب عليها آثار تتجاوز الشركتين إلى السوق الأوسع. فوجود مزودين جدد على مستوى البنية التحتية قد يسرّع من وتيرة تحسين خدمات الذكاء الاصطناعي، ويخفض احتمالات تعطل الأنظمة الناتجة عن ارتفاع الطلب، ويزيد القدرة على تقديم نماذج أكثر قوة أو بتكلفة تشغيل أقل نسبيًا.

كما قد يدفع دخول ميتا إلى هذا المجال منافسين قائمين بالفعل في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي إلى إعادة التفكير في نماذج التسعير والتعاقد، خصوصًا مع استمرار نمو الحاجة إلى قدرات تدريب واستدلال ضخمة.

في المحصلة، تبدو صفقة ميتا مع أنثروبيك ــ إن تم التوقيع عليها ــ خطوة استراتيجية لتسخير البنية التحتية التي استثمرت فيها الشركة بكثافة وتحويلها إلى مصدر دخل جديد، بينما تمنح أنثروبيك وصولًا أسرع وأكثر اتساعًا إلى موارد الحوسبة اللازمة لتطوير منتجاتها. وعلى الرغم من أن التفاصيل ما تزال غير نهائية، فإن حجم الصفقة المحتمل يعكس حجم التحول الجاري في اقتصاد الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية خلال الفترة المقبلة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *