التخطي إلى المحتوى

أكد عبد الغني العيادي، المستشار السابق بالبرلمان الأوروبي، أن التصعيد الدولي الراهن لم يعد مجرد صراع إقليمي محدود، بل يتجه تدريجيًا إلى شكل أشبه بحرب عالمية “بصيغة جديدة”، نتيجة تشابك المصالح الاقتصادية والطاقة وتداخل الأزمات المحلية مع بنية النظام الدولي ككل. وأشار العيادي خلال مداخلة عبر قناة القاهرة الإخبارية إلى أن العولمة غيّرت قواعد اللعبة؛ فلم تعد الأزمات تُدار داخل حدود جغرافية ضيقة، إذ إن أي اضطراب في منطقة استراتيجية—خصوصًا حين يرتبط بإمدادات الطاقة أو سلاسل التجارة أو الأسواق المالية—ينعكس على الاقتصادات كافة، ويؤثر في السياسات والتحالفات عالميًا.

وأضاف أن منطقة الشرق الأوسط تمثل بؤرة توتر دائمة، تتقاطع فيها أهداف القوى الكبرى التي تسعى إلى إعادة صياغة التوازنات الجيوسياسية. فالتنافس على طرق التجارة والبحار والممرات الاستراتيجية، إضافة إلى حساسية المنطقة تجاه أسعار الطاقة والغاز والنقل البحري، يجعل أي تصعيد فيها قابلاً للتحول إلى أزمة عالمية. ووفقًا للرؤية التي طرحها، فإن طبيعة التداعيات لم تعد عسكرية فقط؛ بل تشمل أيضًا تأثيرات على سلاسل الإمداد، وتكاليف التمويل، وثقة المستثمرين، وقرارات الحكومات بشأن الأمن الغذائي والطاقة.

وفي سياق تفسير دوافع الأطراف، شدد العيادي على أن اختزال المشهد في أن إيران تتحمل المواجهة وحدها، أو اعتبار الملف النووي الدافع الوحيد وراء تحركات الولايات المتحدة، يمثل قراءة غير مكتملة. وأوضح أن الصراع يعكس—بالدرجة الأولى—تحولًا في بنية النظام الدولي من مرحلة الأحادية القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب. وفي ظل هذا التحول، لم تعد الاستراتيجيات تُبنى على عامل واحد أو ملف واحد، بل على شبكة مصالح متشابكة تشمل النفوذ الإقليمي، والردع، والتحالفات، والتحكم في مصادر التأثير الاقتصادية والتكنولوجية.

كما أشار إلى صعود الصين وتعاظم حضورها في مجالات التجارة والاستثمار، إلى جانب عودة روسيا إلى المنافسة على النفوذ العالمي، ما يساهم في توسيع دائرة التأثيرات وجعل الأزمة أكثر تعقيدًا من الناحية السياسية والاقتصادية. وبذلك تصبح الأزمات الإقليمية اختبارًا مباشرًا لقدرة القوى الكبرى على إدارة التوازنات، بدلًا من كونها مجرد نزاعات بين أطراف محدودة.

ولتعميق الصورة، يمكن القول إن “الحرب العالمية بصيغة جديدة” لا تعني بالضرورة مواجهة عسكرية شاملة بين دول كبرى، بل قد تتجسد عبر أدوات متعددة مثل الضغط الاقتصادي، والحروب بالوكالة، واستغلال نقاط الضعف في سلاسل الطاقة، والتأثير في القرارات عبر العقوبات أو دعم الحلفاء أو التحكم في قنوات التجارة. كذلك، تلعب المعلومات والدعاية ودور الإعلام دورًا في تشكيل التصورات العامة، ما يزيد من احتمالات التصعيد ويصعّب فرص التهدئة.

ختامًا، يرى العيادي أن فهم التصعيد الحالي يتطلب قراءة تتجاوز حدود الإقليم، والتركيز على التحولات البنيوية في النظام الدولي، وعلى كيفية تفاعل الأزمات المحلية مع مصالح الدول الكبرى. فحين تصبح الطاقة والاقتصاد والتوازنات الجيوسياسية مترابطة، يتحول أي شرر إقليمي إلى توتر دولي قد يطال العالم بأسره.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *