التخطي إلى المحتوى

تؤكد الدكتورة نهى بكر، أستاذ العلوم السياسية، أن العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران تشهد في الفترة الراهنة انهيارًا كاملًا للتفاهمات السابقة، بما يعني أن الخلاف لم يعد محصورًا في ملف البرنامج النووي وتخصيب اليورانيوم، بل اتسع ليشمل مواجهة مباشرة تتعلق بفرض السيطرة والنفوذ على مضيق هرمز؛ وهو الممر المائي الذي يعد شريانًا حيويًا لتدفق النفط والغاز عالميًا.

وفي حديثها عبر قناة «إكسترا نيوز»، أوضحت بكر أن الصراع في جوهره يحمل بعدين متداخلين: بعدًا جيوسياسيًا مرتبطًا بتأمين طرق الملاحة وضمان حرية المرور، وبعدًا داخليًا يتعلق بشرعية النظام في طهران. وتابعت أن إيران لا تتعامل مع المواجهة بوصفها دفاعًا عن مصالحها الإقليمية فحسب، بل تراها كذلك فرصة للحفاظ على تماسك النظام وإظهار قدرته على حماية المصالح الاستراتيجية في لحظة تتصاعد فيها الضغوط.

وتشير بكر إلى أن أي محاولة لفرض سيطرة أمريكية كاملة على مضيق هرمز قد تنعكس سلبًا على شرعية النظام الإيراني داخليًا، لأن هذا الملف يتداخل مباشرة مع ملفات محورية أخرى، في مقدمتها الملف النووي، فضلًا عن ارتباطه بالقدرة على التأثير في معادلات الأمن الإقليمي. فحين تصبح السيطرة على الممرات البحرية جزءًا من معادلة التنافس، فإن أثر ذلك لا يقتصر على المستوى العسكري أو البحري، بل يمتد أيضًا إلى المجال الاقتصادي والسياسي.

وفيما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة لتطور الأزمة، تؤكد الدكتورة نهى بكر أن توقع مسار الحرب أو احتمالات حسمها بالغ الصعوبة، لأن إدارة الأزمة لدى الطرفين تتم وفق أنماط غير تقليدية. وتلفت إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يميل إلى تبني مقاربة أكثر ارتباطًا بالملفات المتداخلة والضغط لتحقيق مكاسب سياسية، في حين قد ترى القيادة الإيرانية أن استمرار المواجهة يحقق مكاسب داخلية عبر تعزيز التماسك وترميم صورة القوة لدى الرأي العام.

وتضيف بكر أن تمدد دائرة المواجهة إلى مضيق هرمز يرفع من احتمالات الارتداد الإقليمي؛ فتهديد الملاحة وتذبذب الإمدادات قد يؤثران فورًا على أسعار الطاقة عالميًا، كما قد يدفع شركات الشحن لتغيير مساراتها وما يرافق ذلك من كلفة أعلى وزمن أطول للتسليم. كما يمكن أن ينعكس ذلك على سلاسل الإمداد المرتبطة بالأسواق العالمية، بما قد يزيد من حالة عدم اليقين لدى المستثمرين.

ومن زاوية اقتصادية، شددت الأستاذة على أن أي تصعيد عسكري لن يبقى بلا آثار. فبالإضافة إلى تبعاته المباشرة على الاقتصاد العالمي، ستتحمل دول الخليج العربي جزءًا كبيرًا من الكلفة؛ سواء عبر تضرر البنية التحتية المرتبطة بالطاقة واللوجستيات، أو عبر ضغط إضافي على اقتصاداتها نتيجة ارتفاع المخاطر وتكاليف التأمين والتشغيل. كما قد يؤدي تدهور الوضع في الممرات البحرية إلى تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لتأمين الملاحة، بما يستنزف موارد إضافية.

وتؤكد بكر في ختام حديثها أن عودة الأطراف إلى طاولة المفاوضات عبر وسطاء تظل خيارًا لا مفر منه لإنهاء الأزمة، حتى لو طال أمد التصعيد. وترى أن استمرار المواجهة سيعني تعقيد مسارات الحل، وزيادة الأعباء الاقتصادية والسياسية، وتحويل ملف مضيق هرمز إلى محور دائم للتنافس بدلًا من كونه قضية قابلة للتسوية ضمن ترتيبات أمنية ودبلوماسية.

وبالتالي، فإن فهم الأزمة يتطلب قراءة مزدوجة للعوامل: موازنة الضغط العسكري والسيطرة على طرق الملاحة، مع إدراك أثر ذلك على الداخل السياسي والشرعية، إضافة إلى تقييم انعكاساته على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، لا سيما في ظل حساسية مضيق هرمز لأي توتر يطال الملاحة أو يهدد انتظام تدفق الإمدادات.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *