تكبدت الأسواق المالية العالمية خسائر واسعة خلال الأسبوع المنقضي، إذ تحولت موجة بيع واسعة إلى قطاع التكنولوجيا والرقائق الإلكترونية، في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بتقييمات شركات الذكاء الاصطناعي وتوقعات نمو الأرباح. بالتوازي، رفعت التوترات المتزايدة بين الولايات المتحدة وإيران أسعار النفط، ما أعاد إلى الواجهة مخاطر اضطراب سلاسل إمدادات الطاقة ورفع كلفة المدخلات على مستوى الاقتصاد العالمي.
بدأت الضغوط على الأسهم مع تراجع أسهم كبرى شركات أشباه الموصلات لعدة جلسات متتالية. فقد خفّض المستثمرون رهاناتهم المتعلقة باستمرار الزخم القوي للاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، خاصة بعد إعلان شركة “Moonshot” الصينية إطلاق نموذجها الجديد “Kimi K3″، الذي قيل إنه من أكبر أنظمة الذكاء الاصطناعي مفتوحة الأوزان في العالم، وبأداء يقترب من نماذج شركات أميركية متخصصة. هذا التطور غذّى المخاوف من اتساع الفجوة التنافسية لصالح الصين، وما قد ينعكس عليه من ضغط محتمل على الشركات الأميركية من زاوية الحصة السوقية وتكاليف التطوير.
على صعيد مؤشرات السوق، سجل مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات ثالث جلسة خسائر متتالية، ليغلق منخفضًا بنحو 1.6%، وهو ما وضعه قريبًا من مستوى أقل بنحو 20% من قمة قياسية سابقة. ويمثل اتساع نطاق التراجع مؤشرا على حساسية القطاع لأي تغيّر في توقعات الطلب على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، سواء من جانب مراكز البيانات أو من خلال إنفاق شركات التكنولوجيا.
في الولايات المتحدة، استعاد جزء من المستثمرين شهية المخاطرة خلال جلسة الجمعة عبر تغطية مراكز البيع على المكشوف والعودة إلى الشراء، لكن الاتجاه الهبوطي ظل مسيطرًا على أداء الأسبوع. وبحسب بيانات “بلومبرج”، تراجع “داو جونز” بنحو 0.93%، فيما انخفض “ستاندرد آند بورز 500” بنسبة 1.55%، وسجل “ناسداك” أكبر خسائر أسبوعية بين المؤشرات الرئيسية بهبوط يقارب 2.9%، متأثرًا بالهبوط الحاد في أسهم التكنولوجيا.
امتدت موجة التراجع إلى الأسواق العالمية. فقد انخفض مؤشر “MSCI” العالمي للأسهم بنحو 1.17% في جلسة الجمعة، بينما أنهى “ستوكس 600” الأوروبي التعاملات على انخفاض. وفي آسيا، كانت الخسائر أوسع، إذ هبط مؤشر “MSCI” لأسهم آسيا والمحيط الهادئ باستثناء اليابان بنسبة تقارب 2.7%، وتراجع مؤشر “نيكي” الياباني بنحو 4% ليقترب من مستوى أقل بنحو 12% من أحدث قمة.
على الجانب الآخر، منحت أسواق الطاقة زخما إيجابيا بدعم من تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران واتساع نطاق الهجمات لتشمل منشآت وبنى تحتية حيوية، إضافة إلى استمرار التوترات المرتبطة بمضيق هرمز. وقد أعاد ذلك للأذهان مخاطر انقطاع أو تقييد تدفقات النفط عالميًا، وهو ما انعكس مباشرة على الأسعار. فارتفع خام غرب تكساس الوسيط إلى 82.49 دولارًا للبرميل بزيادة تقارب 4.48%، كما صعد خام برنت إلى 88.10 دولارًا للبرميل بنسبة تقارب 4.59%، ليصل لأعلى مستوى منذ أكثر من شهر.
وفي أسواق السندات، تزايد الطلب على أدوات الدين الحكومية باعتبارها ملاذا آمنا في ظل ارتفاع درجة عدم اليقين. ورافق ذلك تراجعًا في عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، في وقت خففت فيه بعض البيانات الاقتصادية القادمة توقعات رفع أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، ما دعم جانب الاستقرار النسبي في تكاليف الاقتراض.
كما اتجهت التدفقات جزئيًا نحو الأصول الدفاعية. إذ سجلت قطاعات أقل ارتباطًا بدورات النمو السريع، مثل المرافق العامة، تراجعات أقل مقارنة بقطاعات التكنولوجيا والنمو، بحسب محللين.
أما في سوق العملات، فقد قلص الدولار الأميركي جزءًا من مكاسبه مقارنة بوقت سابق من الأسبوع، متأثرًا بصدور بيانات تضخم أميركية جاءت أضعف من المتوقع. هذا التطور دفع بعض المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على تشديد السياسة النقدية، رغم استقرار الدولار نسبيًا في نهاية جلسة الجمعة، مع بقاء مؤشر الدولار قرب 100.76 نقطة.
وفي المعادن النفيسة، ارتفع الذهب خلال جلسة الجمعة إلى 4009.19 دولارًا للأوقية، كما صعدت العقود الآجلة إلى 4017.20 دولارًا. لكن رغم ذلك، سجل المعدن الأصفر أكبر خسارة أسبوعية له خلال ستة أسابيع، مدفوعًا بتأثير ارتفاع أسعار الطاقة على توقعات التضخم وتزايد الحديث عن استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول. بمعنى آخر، توازنت عوامل الدعم المرتبطة بالملاذ الآمن مع عوامل ضغط ناتجة عن توقعات السياسة النقدية.
ويتوقع محللون أن تظل الأسواق خلال الفترة المقبلة رهينة لثلاثة محركات رئيسية: تطورات التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وإشارات أداء وأرباح شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى التي تقود التقييمات في السوق، إضافة إلى البيانات الاقتصادية القادمة التي قد تعيد تشكيل مسار الفيدرالي الأميركي. ومع اقتراب النصف الثاني من العام، قد تحدد تلك العوامل اتجاهات المستثمرين وتوزيع الأصول بين القطاعات، وبين الأسهم عالية النمو والملاذات الدفاعية والديون الحكومية.

التعليقات