التخطي إلى المحتوى

أكد الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، أن العودة إلى مصر بعد سنوات قضاها في العاصمة البريطانية لندن حملت معه مشاعر مختلطة بين التقدير للتقدم والتنظيم الذي تتميز به الحياة هناك، وبين حنين عميق لبلده ظل حاضرًا في كل مرحلة، حتى في لحظات الانشغال بتفاصيل الحياة في الخارج.

وخلال لقائه في بودكاست “موعد مع لميس”، وصف غالي شعوره بالعودة كأن شخصًا يعيش طويلًا في مكان بعيد ثم يجد نفسه فجأة وسط مدينة تضج بالحياة. وأوضح أن إحساس الوطن بالنسبة له لا يرتبط فقط بالمرافق والخدمات، بل يرتبط بالدفء والهوية والانتماء، وهو شعور لا يمكن أن تحلّ محله جودة الحياة في الخارج مهما كانت.

وأشار غالي إلى أن لندن مدينة متقدمة وتوفر مستوى مرتفعًا من الخدمات، كما وصف الشعب الإنجليزي بأنه مهذب وودود، مؤكدًا أنه لم يواجه صعوبات كبيرة في التأقلم أو التواصل، خصوصًا مع قدرته على التحدث بعدة لغات. ولفت إلى أن التعدد اللغوي يساعد على كسر الحواجز الاجتماعية ويجعل التفاعل اليومي أكثر سلاسة، وهو عامل يخفف وطأة الغربة.

ومع ذلك، شدد غالي على أن الإقامة في الخارج لا تعوّض الشعور بوجود الأهل والأصدقاء والبيئة التي ينتمي إليها الإنسان. واعتبر أن أكثر ما افتقده خلال سنوات الغربة لم يكن مكانًا محددًا أو خدمة بعينها، بل الناس في مصر. وأضاف أن الوطن يظل مختلفًا عن أي مكان آخر مهما بلغت درجة تقدّم الخارج، لأن العلاقة بالوطن ليست انتقالًا جغرافيًا فقط، بل هي ارتباط بالذكريات والعلاقات والوجدان.

كيف يحافظ على اللغات؟ “الممارسة المستمرة”

وتطرق غالي إلى جانب آخر مرتبط بالعيش خارج الوطن، وهو موضوع اللغات. وقال إنه يتحدث حاليًا خمس لغات، موضحًا أنه فقد إجادته للغة البرتغالية بسبب عدم استخدامها لفترة طويلة. وأكد أن الممارسة المستمرة هي الأساس للحفاظ على أي لغة، لأن الركون إلى المعرفة السابقة دون استعمال فعلي يؤدي إلى ضعف القدرة مع الوقت.

تعلم من الغربة: قيمة الهوية والروابط الاجتماعية

وتضمن حديثه إشارة ضمنية إلى أن الغربة، رغم ما تمنحه من خبرات وتوسيع آفاق التفكير، تعيد تعريف قيمة الروابط الاجتماعية. فالعلاقات اليومية، وطقوس الحياة المحلية، وطبيعة التعامل مع المجتمع، كلها عناصر تمنح الإنسان شعورًا بالانتماء قد لا يتوافر بنفس الدرجة في بيئة جديدة. لذلك ظلّ الحنين إلى مصر عاملًا ثابتًا، حتى مع الاعتراف بميزات لندن.

وبذلك، قدّم الدكتور يوسف بطرس غالي صورة متوازنة عن تجربته: تقدير حقيقي للتقدم الذي رآه في الخارج، مع تأكيد قاطع أن الوطن يظل هو المكان الذي يجمع الدفء بالهوية، وتستمر فيه المعاني حتى بعد تغير المدن والسنوات.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *