شهدت أسواق وول ستريت موجة بيع حادة طالت بعضًا من أبرز شركات التكنولوجيا الأمريكية، في مؤشر واضح على تزايد حساسية المستثمرين لتكاليف الذكاء الاصطناعي وإعادة توزيع ميزانيات الشركات بعيدًا عن البرمجيات والخدمات التقليدية. جاءت الضغوط بالتزامن مع تراجع حاد في قيمة SpaceX بعد أسابيع قليلة من إدراجها في البورصة، وتدهور غير مسبوق لسهم IBM عقب نتائج أضعف من توقعات السوق، ما امتد سريعًا إلى شركات البرمجيات والخدمات الرقمية.
SpaceX تهبط تحت سعر الطرح للمرة الأولى
وفقًا لتقرير لوكالة رويترز، تراجع سهم SpaceX خلال التداولات إلى 132.28 دولار، مسجلًا للمرة الأولى انخفاضًا دون سعر الطرح العام البالغ 135 دولارًا. ورغم أن السهم قلّص خسائره لاحقًا، فقد أغلق عند 135.27 دولار بانخفاض 0.6%. تعكس هذه الحركة اضطرابًا مبكرًا في مسار السهم بعد فترة قصيرة من الإدراج، إذ جاء الهبوط بعد أكثر من شهر بقليل على دخول الشركة للسوق.
وبحسب بيانات السوق، بلغت القيمة السوقية لـ SpaceX خلال ذروة الصعود أكثر من 2.6 تريليون دولار، ثم انخفضت لاحقًا إلى نحو 1.78 تريليون دولار. ما يعني تبخر قرابة 820 مليار دولار منذ القمة. ولم ينجح إدراج السهم ضمن مؤشر ناسداك 100 في كبح التراجع؛ إذ يشير الأداء إلى خسارة تقارب 13% منذ إدراجه في المؤشر.
وتشير مخاوف المستثمرين إلى محورين رئيسيين: الديون والعبء المالي المرتبط بتوسعات وتشغيل مشاريع ضخمة، إضافة إلى تضخم الإنفاق على مشروعات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية التقنية. وفي بيئة تشهد تشددًا في تقييم العوائد، يصبح أي تباطؤ في خطط التوسع أو أي تكلفة تشغيل مرتفعة عاملًا ضاغطًا على تقديرات السوق للقيمة المستقبلية.
IBM تخسر ربع قيمتها في جلسة واحدة
في المقابل، شهد سهم IBM هبوطًا أكثر حدة، إذ انخفض بنسبة 25% مسجلًا أسوأ خسارة يومية في تاريخ الشركة. جاء ذلك بعدما جاءت توقعات IBM المالية أقل من تقديرات المستثمرين. وتزامن التراجع مع إعلان الإدارة اعترافًا بأن الشركة لم تتوقع سرعة انتقال إنفاق العملاء بعيدًا عن خدمات البرمجيات التقليدية نحو رقائق الذكاء الاصطناعي والخوادم ووحدات التخزين ومعدات مراكز البيانات.
هذا التحول—كما ورد في المداولات المتعلقة بالنتائج—أدى إلى تأجيل بعض الصفقات البرمجية، وهو ما انعكس على إيرادات الشركة على نحو سلبي. كما امتدت موجة البيع لتشمل أسهم شركات أخرى في قطاع البرمجيات والخدمات التقنية، إذ فُهمت نتائج IBM كإشارة إلى أن دورة إنفاق العملاء على الذكاء الاصطناعي قد تركز في البداية على العتاد والبنية التحتية، بينما يتأخر جزء من الطلب على الحلول البرمجية وخدمات التحول الرقمي.
كيف يؤثر سباق البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على قطاع البرمجيات؟
يرى محللون أن التحدي لا يتعلق فقط بتزايد الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، بل أيضًا بطريقة توزيع الميزانيات داخل المؤسسة الواحدة. فعندما يوجه جزء أكبر من الإنفاق نحو مكونات البنية التحتية—مثل مراكز البيانات وتحديث الشبكات وتزويدها بالطاقة والتبريد—قد تُؤجل بعض مشاريع البرمجيات أو الخدمات التي تعتمد على اكتمال جاهزية البنية التحتية. وبمرور الوقت، قد ينتج عن ذلك ضغط مؤقت على نمو إيرادات شركات البرمجيات، حتى تستقر دورة تنفيذ المشاريع.
كما أن المستثمرين يراقبون بدقة أسئلة جوهرية مثل: هل سيحقق الإنفاق الجديد عائدات أسرع مما كانت تتوقعها الشركات؟ وهل ستستطيع إدارات التكنولوجيا تحويل ميزانيات العملاء دون التأثير على المدى القصير؟ وفي ظل اختلاف سرعة الاستجابة بين الشركات، يزداد احتمال اتساع فجوة التوقعات بين النتائج الفعلية وما تسعّر الأسواق له.
ما الذي يمكن أن يحدث لاحقًا في الأسواق؟
على المدى القريب، قد تستمر موجة التقلبات طالما بقيت التوقعات حول إنفاق العملاء على البرمجيات مقابل العتاد غير واضحة. ومن المرجح أن تكون تقارير أرباح الشركات خلال الأسابيع المقبلة محورية لتفسير ما إذا كانت هذه التراجعات مجرد تصحيح مؤقت أم مؤشر على تحول هيكلي في طريقة الاستثمارات داخل قطاع التكنولوجيا.
وفي ظل المخاوف من تضخم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، ستظل السوق تقيّم شركات التكنولوجيا بناءً على قدرتها على تحويل الطلب إلى إيرادات مستدامة، وعلى قدرتها في إدارة التكاليف والديون، وعلى توقيت تنفيذ مشاريع العملاء.

التعليقات