التخطي إلى المحتوى

حذّر الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، من تصاعد مؤشرات الانزلاق نحو مسار عسكري بين الأطراف الإقليمية والدولية، مؤكدًا أن ما يجري حاليًا لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد ضربات متبادلة، بل هو وضع مأزوم قد يفتح الباب أمام حرب حقيقية إذا استمرت حلقات التصعيد دون قنوات احتواء فعّالة.

وفي حديث تلفزيوني مع الإعلامية عزة مصطفى ضمن برنامج «الساعة 6» المذاع على قناة الحياة، أوضح فهمي أن جذور الأزمة ترتبط بانهيار «مذكرة التفاهم» غير المكتوبة بين الولايات المتحدة وإيران. وبدلًا من أن تعمل هذه المذكرة كإطار غير رسمي لتخفيف التوتر وضبط الإيقاع، تحولت—بحسب رؤيته—إلى حالة من سوء التفاهم وانعدام الثقة بين الطرفين.

شرح فهمي أن أي اتفاق غير معلَن أو غير مُوثق بالكامل، حتى لو كان قائمًا على تفاهمات ضمنية، يظل عرضة لسوء القراءة أو اختلاف التفسير عند التعامل مع الملفات الحساسة. وفي هذا السياق، أكد أن الاتفاق غير الرسمي بين واشنطن وطهران يتضمن ثغرات تسمح لكل طرف بالتعامل مع بنوده بصورة انتقائية، بما يخلق فجوة بين ما يُفهم على أنه نية متفق عليها وبين ما يُترجم فعليًا على الأرض.

كما أشار فهمي إلى أن تحليل مضمون هذه التفاهمات يبيّن قدرًا كبيرًا من العمومية في موضوعات مصيرية، من أبرزها: مصير الأرصدة المالية الإيرانية المجمدة، وآليات التعامل مع منظومة العقوبات، ونِسَب تخصيب اليورانيوم، ومسارات نقل المخزون النووي الاستراتيجي. ورأى أن العمومية في مثل هذه الملفات لا تُنتج تهدئة مستدامة، بل تؤدي إلى تآكل سريع لآليات الضمان، وتعميق الشكوك، وارتفاع احتمالات سوء التقدير.

ولتعزيز الفهم، شدد فهمي على أن الأزمة ليست فقط نتاج خلافات موضوعية، بل كذلك نتيجة تفكك الثقة وغياب المساندة التفسيرية. فحين تتراجع الثقة، تصبح أي حركة—حتى لو كانت محدودة أو محسوبة—قابلة للقراءة باعتبارها خطوة تصعيدية، الأمر الذي يدفع الأطراف إلى التعامل بالمنطق الأمني الصِرف، ويزيد من فرص الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

وأبرز فهمي أن التصعيد المتبادل في بيئة من انعدام الثقة يميل إلى التحول من «احتواء مؤقت» إلى «منطق صدام»، خصوصًا إذا غابت قنوات اتصال موازية تسمح بفرز النوايا وتوضيح المقاصد وتقليل احتمالات سوء الحساب. وعليه، فإن أي خفض حقيقي للتوتر—وفق هذا الطرح—يستلزم إعادة بناء الثقة عبر آليات أكثر وضوحًا وتحديدًا في الملفات الجوهرية، بدل تركها لتأويلات عامة أو تفاهمات فضفاضة.

وفي المحصلة، يخلص فهمي إلى أن خطر الانزلاق نحو حرب إقليمية لا يرتبط فقط بتطورات اللحظة، بل بجذور أعمق تتمثل في انهيار تفاهمات غير مكتوبة وفقدان القدرة على إدارة الخلافات بآليات تعاقدية أو تفاهمية أكثر صلابة، بما يسمح بتجنب انتقال الأزمات من مرحلة التوتر إلى مرحلة القتال.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *