كشفت دراسة منشورة في مجلة “علم النفس الاجتماعي التجريبي” أن إرسال رسائل نصية يومية إلى شخص غريب يمكن أن يحدّ أكثر من شعور الوحدة مقارنةً بالتحدث مع روبوت دردشة يعمل بالذكاء الاصطناعي، حتى عندما تكون هذه التطبيقات قادرة على محاكاة المحادثات البشرية وتقديم نوع من الدعم العاطفي.
**لماذا قد تكون رسائل الغرباء أقوى؟**
تُشير النتائج إلى أن “الوحدة” لا ترتبط فقط بوجود تعاطف لفظي أو ردود لطيفة، بل ترتبط أيضاً بوجود تفاعل اجتماعي حقيقي قائم على بشر آخرين، وما يرافقه من إدراك بالانتماء والقدرة على بناء رابطة حتى لو كانت بسيطة أو مؤقتة. في المقابل، يمكن للروبوت أن يحسن المزاج لحظياً، لكن تأثيره على تقليل الوحدة قد يكون محدوداً وغير مستدام.
# تفاصيل التجربة
أجرى الدراسة فريق من جامعة كولومبيا البريطانية بقيادة الباحثة **رو-نينغ لى** بمشاركة **إليزابيث دان** من قسم علم النفس، بهدف اختبار ما إذا كان “الرفيق الرقمي” يمكن أن يكون بديلاً فعالاً للتواصل الإنساني في تخفيف الوحدة.
وشملت التجربة **296 طالباً جامعياً** تم توزيعهم إلى ثلاث مجموعات لمدة **أسبوعين**:
1) **مذكرات يومية**: كتب المشاركون مذكرات يومية.
2) **تبادل رسائل مع بشر**: تبادل أفراد هذه المجموعة رسالة واحدة على الأقل يومياً مع طالب آخر (شخص غريب).
3) **دردشة مع روبوت**: تواصل أفراد المجموعة الثالثة مع روبوت دردشة يدعى **“سام”** صمم ليكون ودوداً ومتفاعلاً وداعماً.
# النتائج: انخفاض الوحدة لدى مجموعة البشر
أظهرت البيانات أن المشاركين الذين تبادلوا الرسائل مع زملاء بشريين شهدوا انخفاضاً في شعور الوحدة مقارنةً ببداية الدراسة. كما أظهروا مستوى أقل من الشعور بالعزلة مقارنةً بمجموعة كتابة اليوميات.
أما المشاركون الذين تحدثوا مع الروبوت، فلم يَظهر لديهم انخفاض واضح في الوحدة على المدى نفسه، رغم أنهم عانوا من تحسن في المزاج مباشرة بعد المحادثات مع الروبوت. لكن هذا التحسن لم يستمر على المدى الطويل، ما يوحي بأن التأثير كان “لحظياً” أكثر من كونه “اجتماعياً دائماً”.
# تحليل طبيعة التفاعل
عند تحليل المحادثات، تبين أن الروبوت قدّم تعاطفاً وتفاعلاً أعلى من المشاركين البشر في سياق الردود. ومع ذلك، لم يكفِ ذلك لبناء إحساس حقيقي بالانتماء.
ويرجّح الباحثون أن العلاقات الإنسانية تمتلك عناصر إضافية لا يختزلها الذكاء الاصطناعي، مثل:
– تبادل الدعم ضمن سياق إنساني
– مشاركة تجارب حقيقية أو معلومات شخصية
– شعور متبادل بأن الطرف الآخر “يدركك” ويشاركك العالم
– فرص التواصل في الواقع لاحقاً
كما أشار الباحثون إلى أن نحو **ثلث المشاركين** في المجموعة البشرية تبادلوا **معلومات اتصال** بعد انتهاء التجربة، بينما واصل **عدد قليل** فقط من مستخدمي الروبوت التحدث معه لاحقاً. ومن المثير للاهتمام أيضاً أن التعارف القصير بين أفراد المجموعة البشرية قد يكون قد ساهم في تعزيز النتائج.
# معلومات إضافية لتفسير الأثر
تدعم هذه النتائج فكرة أن “الدعم” وحده قد لا يساوي “الارتباط”. فالمحادثة مع شخص آخر—حتى لو كان غريباً—تتضمن عناصر مثل عدم القدرة على التنبؤ الكامل باستجابات الطرف الآخر، واحتمال تطور الحديث نحو معلومات شخصية وتجارب مشتركة. كذلك فإن الرسائل اليومية قد تعطي “إيقاعاً اجتماعياً” منتظماً يخلق إحساساً بأن هناك من ينتظرك أو يشاركك لحظة بيومك.
وفي المقابل، قد يظل الروبوت كياناً مصمماً لتقديم إجابات مثالية، ما يعطي شعوراً بالمساندة، لكن دون أن يتحول تلقائياً إلى علاقة أو شبكة اجتماعية مستمرة.
# الخلاصة
لا يعني ذلك أن روبوتات الدردشة بلا فائدة؛ إذ قد تكون مفيدة لتحسين المزاج فوراً أو لكسر الجمود خلال لحظات التوتر. لكن الدراسة تقترح أن تخفيف “الوحدة” بشكل أعمق وأكثر استدامة يحتاج غالباً إلى تفاعل مع بشر حقيقيين، حتى لو بدأ برسائل مع شخص غريب وبشكل بسيط.
إذا كنت تفكر في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتخفيف الوحدة، فقد يكون الأكثر فاعلية دمجها مع أنشطة تواصل بشرية فعلية—مثل رسائل منتظمة مع أشخاص آخرين أو فرص تعارف قصيرة تتحول لاحقاً إلى علاقات أقوى.

التعليقات