شهدت أسعار الذهب في السوق المصري تذبذبًا خلال تعاملات اليوم الجمعة، رغم ملاحظة تراجع أسعار المعدن في الأسواق العالمية، إلا أن المعدن النفيس داخل مصر اتجه لإنهاء الأسبوع على انخفاض محدود. ويأتي هذا التباين بين حركة الذهب محليًا وعالميًا نتيجة تفاعل عدة عوامل محلية وجيوسياسية في وقت واحد، بحسب قراءة تحليلية صادرة عن جولد بيليون.
بدأ الذهب عيار 21—وهو الأكثر تداولًا في مصر—جلسة اليوم عند 5840 جنيهًا للجرام، ثم حافظ على نفس المستوى حتى وقت إعداد التقرير، بعدما أغلق أمس عند السعر ذاته. ورغم أن الأسعار ظلت متماسكة فوق مستوى 5800 جنيه للجرام خلال أيام الأسبوع، فإن محاولات الاختراق الفعلي لمنطقة المقاومة قرب 5900 جنيه لم تنجح. ويُعزى ذلك إلى ضعف الزخم الشرائي، ما أدى إلى تحرك الأسعار في نطاق عرضي دون اتجاه واضح، وهو ما يعكس توازنًا مؤقتًا بين عمليات الشراء عند المستويات المنخفضة والبيع/جني الأرباح قرب المستويات الأعلى.
ومن بين أبرز العوامل التي تحكم حركة الذهب داخل السوق المحلي: أولًا، استمرار حالة الضبابية في الأسواق العالمية، حيث تؤثر توقعات السياسة النقدية والقرارات الأمريكية على تسعير الذهب عالميًا. ثانيًا، تحسن الطلب المحلي نسبيًا، مع ميل المستهلكين والمستثمرين إلى استغلال أي تراجع في الأسعار لزيادة عمليات الشراء. هذا الدعم الشرائي—وإن كان غير كافٍ لتغيير الاتجاه العام بالكامل—يسهم في تقليل حدة الهبوط داخل مصر مقارنةً بالانخفاضات العالمية.
في المقابل، كان لارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه دور في تقليص خسائر الذهب محليًا. فمع اقتراب الدولار من نحو 49.70 جنيه، ترتفع تكلفة استيراد الذهب وتُضاف كلفة العملة إلى التسعير المحلي، ما يخلق نوعًا من التعويض أمام تراجع الأونصة عالميًا. لذلك، فإن استمرار حالة التقلب في سعر الصرف يفسر جزءًا من استمرار التذبذب في أسعار الذهب داخل مصر بدلًا من الانخفاض السريع.
ويرتبط صعود الدولار خلال الفترة الأخيرة بتجدد التوترات الجيوسياسية، خصوصًا بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما يدفع بعض المستثمرين للبحث عن الدولار كملاذ نسبي للأمان، بعد أن كان قد شهد تراجعًا إلى أقل من 49 جنيهًا في مطلع الأسبوع. كما أن تأثير العوامل العالمية يظل حاضرًا حتى مع صدور مؤشرات محلية داعمة، مثل إعلان البنك المركزي المصري ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال مايو بنسبة 13.5% على أساس سنوي لتسجل 3.9 مليار دولار؛ إذ قد لا يكون هذا وحده كافيًا لمعادلة أثر الأحداث الجيوسياسية على سوق الصرف.
وعلى الجانب النقدي، لم يظهر أثر مباشر قوي لقرار البنك المركزي المصري تثبيت أسعار الفائدة للمرة الثالثة خلال عام 2026، بالتزامن مع استمرار تراجع معدل التضخم السنوي إلى 14.3% خلال يونيو. وبحسب ما ورد في التحليل، فإن هذه التطورات جاءت متوافقة مع توقعات الأسواق، لذلك لم تُحدث تغييرًا حادًا في مسار تسعير الذهب محليًا.
أما عالميًا، فقد انخفضت أونصة الذهب بنحو 0.4% خلال تعاملات الجمعة، لتسجل أدنى مستوى عند 4104 دولارات، قبل أن تتحرك قرب 4106 دولارات. وظلت محاولة الذهب للحفاظ على التداول أعلى من 4100 دولار قائمة، في ظل ضغوط ناتجة عن قوة الدولار وارتفاع عوائد السندات الأمريكية. ومع ارتفاع جاذبية الدولار والسندات، تتراجع شهية المستثمرين عادةً نحو الأصول غير ذات العائد مثل الذهب.
وتشير القراءة إلى أن الأسواق تتابع عن كثب تطورات التصعيد العسكري في منطقة الخليج، خاصة في مضيق هرمز. ويُضاف إلى ذلك عامل النفط: فارتفاع أسعار النفط يدعم مخاوف التضخم، وفي حال اتساع المخاوف قد ترتفع احتمالات تشديد السياسة النقدية الأمريكية. وقد انعكس هذا في توقعات الأسواق، حيث زادت احتمالات رفع الفيدرالي الأمريكي خلال اجتماع سبتمبر إلى 63% مقارنة بـ54% قبل أسبوع، ما يشكل ضغطًا إضافيًا على الذهب.
ورغم هذه الضغوط، ترى جولد بيليون أن الذهب لا يزال يجد دعمًا من عودة المشترين عند كل موجة هبوط، لكن الحساسية تبقى عالية تجاه أي صعود حاد في أسعار النفط قد يعيد إشعال المخاوف التضخمية ويزيد احتمالات تشديد السياسة النقدية، وهو ما قد ينعكس على مسار المعدن خلال الفترة المقبلة.
ومن زاوية التوقعات المستقبلية، خفض بنك HSBC متوسط توقعاته لأسعار الذهب خلال عام 2026 إلى 4560 دولارًا للأونصة، بدلًا من 4864 دولارًا في التوقعات السابقة. كما توقع أن يبلغ متوسط سعر الذهب خلال عام 2027 نحو 4925 دولارًا للأونصة، في إشارة إلى نظرة أكثر تحفظًا تجاه أداء الذهب على المدى المتوسط مقارنةً بالتوقعات السابقة.
الخلاصة: لا يعود تراجع الذهب في مصر بالضرورة مع كل انخفاض عالمي مباشر؛ إذ يتدخل سعر الصرف وطلب السوق المحلي وحركة الدولار وعوامل الجيوسياسة لتكوين صورة مختلفة عن تحركات الأونصة، ما يدفع الأسعار في النهاية إلى مسار تذبذي يميل للهبوط المحدود بدلًا من الانخفاض الحاد.

التعليقات