كشفت دراسة فلكية حديثة، اعتمدت على قائمة تضم قرابة 3000 نجم منفجر من النوع (Ia)—وهي مستعرات عظمى تنتج عن تفاعلات دقيقة بين الأقزام البيضاء ورفاقها—أن هناك إشارات متزايدة إلى أن الطاقة المظلمة، القوة الغامضة التي تسرّع توسع الكون، قد لا تكون ثابتة كما تفترض بعض نماذج علم الكون القياسي.
النتائج، التي تم دعمها بقراءات حديثة من مسح الطاقة المظلمة (DES) وبالاستفادة من نتائج أداة قياس طيف الطاقة المظلمة (DESI)، تشير إلى أن تأثير الطاقة المظلمة قد يتراجع مع مرور الوقت. ويعني ذلك—وفق تفسير الباحثين—أن الكون قد يكون شهد تغيراً في ديناميكية التوسع الكوني على مدى زمن كوني طويل، وليس نمطاً ثابتاً تماماً.
ووفق ما نقلته تقارير علمية، لا تقتصر قيمة هذه الأعمال على تجميع أكبر عدد ممكن من المستعرات العظمى من النوع Ia، بل تتمثل أيضاً في بناء صورة أدق لتطور الكون عبر الزمن، من خلال ربط القياسات المتنوعة في إطار تحليلي واحد متماسك.
كيف تُستخدم المستعرات العظمى من النوع Ia كمقياس كوني؟
المستعرات العظمى من النوع Ia تنشأ عادةً عندما يصل قزم أبيض—وهو بقايا نجم منخفض أو متوسط الكتلة بعد نفاد الوقود النووي—إلى ظروف تجعله ينسف نفسه. ويحدث ذلك غالباً في الأنظمة الثنائية التي تضم قزماً أبيض ورفيقاً نجمياً؛ حيث يمكن للقزم الأبيض أن يسحب مواد من رفيقه مع مرور الوقت.
مع تراكم الكتلة على القزم الأبيض، قد تتجاوز كتلة البقايا النجمية الحد المعروف باسم حد تشاندراسيخار. وعندما يحدث ذلك، يصبح الانفجار ممكناً فتقع السوبرنوفا من النوع Ia، وتنتج عنها إضاءات كونية ضخمة.
تميز هذه الانفجارات يجعلها مفيدة في علم الكونيات: إذ إن سطوعها يمكن أن يكون متقارباً بدرجة كبيرة، بحيث تُوصف أحياناً بأنها شموع قياسية. ومن خلال مقارنة السطوع الظاهري للانفجار مع السطوع الحقيقي المفترض، يمكن حساب المسافات الكونية. ثم تأتي خطوة إضافية تعتمد على قياس الانزياح نحو الأحمر المرتبط بتوسع الكون، مما يساعد على تتبع كيفية تغير معدل التوسع عبر الزمن.
ما الذي جعل التحليل أكثر قوة هذه المرة؟
أحد محاور الدراسة الجديدة هو إعادة تفسير بيانات رصد قديمة ومتنوعة ضمن نموذج موحد، مع دمج قياسات من مصادر متعددة. يقول أحد أعضاء الفريق إنهم أعادوا صياغة عقود من بيانات المراقبة بطريقة أكثر اتساقاً، ثم ربطوا النتائج ببيانات كونية أخرى، منها الضوء المتبقي من الانفجار العظيم (خلفية إشعاع كونية ميكروية) وخرائط توزيع المجرات.
كما ركز الباحثون على التعامل مع عوامل قد تشوّه القراءة، مثل:
- الغبار الكوني الذي قد يضعف ضوء المستعر الأعظم أو يغير طيفه.
- تأثير خصائص المجرة التي تستضيف المستعر، بما في ذلك كتلة المجرة وبيئتها النجمية.
- عدسة جاذبية (Gravitational Lensing)، وهي ظاهرة ينحني فيها مسار الضوء بفعل كتلة الأجرام الكبيرة في الكون، ما قد يؤدي إلى تضخيم الضوء أو تشويهه أثناء انتقاله من المستعر إلى الأرض.
- دمج تلسكوبات مختلفة بدرجات حساسية متفاوتة، وهو ما يتطلب نمذجة دقيقة لضمان عدالة المقارنة بين العينات.
هل يعني ذلك أن النموذج القياسي قد يحتاج مراجعة؟
تدعم النتائج فكرة أن التحليل لا يقتصر على اختبار “مدى دقة” البيانات فحسب، بل يفتح أيضاً نافذة لاحتمال أن الطاقة المظلمة قد تكون متغيرة—أو على الأقل أن بيانات الرصد قد تسمح بتفسير أوسع من مجرد افتراض أنها ثابتة تماماً.
وبحسب تفسير الفريق، فإن النموذج الكوني الذي يفترض ثبات الطاقة المظلمة قد لا ينسجم تماماً مع مجمل الإشارات. فوجود مؤشرات على تراجع تأثير الطاقة المظلمة مع الزمن—عند جمع مستعرات من النوع Ia مع قياسات أخرى مثل نتائج DESI—قد يدفع نحو نماذج أكثر مرونة تشمل تغيراً في خصائص الطاقة المظلمة أو تفاعلها بطريقة غير تقليدية مع تطور الكون.
خطوات قادمة لتعزيز الدقة
على الرغم من قوة المنهجية الجديدة، تبقى الأبحاث بحاجة إلى المزيد من التحقق عبر رصدات أوسع وتحليلات متعددة. ومن المتوقع أن تساعد تحسينات قادمة في:
- زيادة عدد المستعرات الموثوقة وتمثيل فترات زمنية أوسع.
- تحسين نماذج العدسات الجاذبية وتصحيح أثرها إحصائياً.
- خفض عدم اليقين المرتبط بالغبار والاختلافات البيئية داخل المجرات.
- توحيد المعايرة بين المراصد المختلفة بدقة أعلى.
في النهاية، يقدم هذا العمل خطوة مهمة في طريق فهم جوهر الطاقة المظلمة: هل هي مجرد “عامل” ثابت يفرض تسارع التوسع، أم أنها تحمل ديناميكية تتغير مع تطور الكون؟ والمرجح أن إجابة هذا السؤال ستتبلور تدريجياً كلما تزايدت بيانات المستعرات العظمى من النوع Ia وازداد توافقها مع قياسات الكون الأخرى.

التعليقات