أكد العميد خالد عكاشة، خبير الشؤون الأمنية والاستراتيجية، أن ملف تأمين الممرات الملاحية سيحضر بقوة ضمن نقاشات قمة مجموعة بريكس، في ظل تصاعد التداعيات التي طالت عدداً من أهم الممرات والمضايق البحرية في الشرق الأوسط. وأشار إلى أن أزمات أمن الملاحة لم تعد مقتصرة على الدول المطلة على هذه الطرق البحرية، بل باتت قضية تمس مصالح اقتصادية وسياسية تتجاوز الإقليم، خصوصاً مع تأثيرها المباشر على سلاسل التجارة والطاقة.
لماذا أصبح أمن الملاحة قضية دولية؟
وأوضح عكاشة، خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامية لميس الحديدي مقدمة برنامج «الصورة» عبر قناة النهار، أن المناطق البحرية الحيوية مثل الخليج العربي ومضيق هرمز وبحر العرب وخليج عدن وباب المندب والبحر الأحمر واجهت في الفترة الأخيرة تحديات وأضراراً متراكمة، ما أدى إلى ارتفاع مخاطر تعطّل الملاحة وتنامي احتمالات استهداف الشحنات.
وشدد الخبير على أن القضية لم تعد “ملفاً إقليمياً” فقط؛ إذ إن تعطّل هذه الممرات ينعكس فوراً على حركة التوريد العالمية، ويؤثر على أسعار السلع الأساسية، ويمس استقرار الاقتصادات المختلفة التي تعتمد على هذه الطرق لتأمين احتياجاتها من الطاقة والمواد الخام.
بريكس على خط الأجندة: تأمين الممرات البحرية بند محوري
وبيّن العميد أن ملف الأمن الملاحي وتأمين الممرات البحرية يُعد من أبرز الملفات المطروحة على قمة بريكس، وأن هذا الحضور يأتي ضمن امتداد متوقع للنقاشات التي جرت بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الصيني خلال الزيارة الأخيرة، حيث حظي ملف تأمين الممرات الملاحية بقدر كبير من الاهتمام، باعتباره ملفاً يهم مجموعة دول كبرى تشترك في حسابات الطاقة والتجارة العالمية.
كما لفت إلى أن عدداً من القادة ينتظر لقاء الرئيس السيسي لبحث رؤيته المتعلقة بأزمة أمن الممرات الملاحية، نظراً لأن هذه الأزمة باتت تفرض نفسها على الأجندة الدولية بشكل متزايد، لا سيما مع اتساع دائرة المخاطر التي قد تمتد آثارها من البحر إلى البر عبر سلاسل الإمداد.
تفاؤل بمخرجات الاجتماع الخليجي الإيراني
وفي سياق متصل، أعرب خالد عكاشة عن تفاؤله بإمكانية أن يشكل الاجتماع الخليجي الإيراني المرتقب في سلطنة عمان خطوة مهمة نحو معالجة ملف أمن الملاحة. وأشار إلى أن التقديرات تميل إلى أن أبرز عناوين النقاش ستكون ضمان حركة الملاحة ومنع الإضرار بمصالح أي طرف، بما يحقق قدراً أكبر من الاستقرار ويحد من احتمالات التصعيد أو تحوّل البحر إلى مسرح لمنافسات سياسية.
وأضاف أن المرحلة المقبلة تتطلب إخراج ملف السيطرة على المضايق البحرية من دائرة الضغوط والمناورات، والتركيز على ترتيبات عملية تضمن أمن الملاحة التجارية، مع تعزيز آليات الوقاية والتعامل السريع مع الحوادث، حتى لا تتحول هذه الممرات الحيوية إلى أدوات ضغط أو مواجهة بين الأطراف المختلفة.
خارطة طريق للأمن البحري: من التهدئة إلى الاستقرار
وركز الخبير على أن الهدف الأساسي يتمثل في الوصول إلى مقاربات وحلول حقيقية تساعد على تهدئة الأوضاع، وتضمن حرية الملاحة وفق قواعد واضحة، بما يحافظ على مصالح جميع الأطراف ويقلل المخاطر التي تواجه حركة التجارة والطاقة. وأوضح أن الاستقرار البحري لا يرتبط بالاعتبارات العسكرية فقط، بل يعتمد كذلك على وجود تفاهمات تضع حدوداً للتصعيد، وتضمن استمرار تدفق الشحنات دون تعطيل.
انعكاسات اقتصادية مباشرة على الأسعار والحياة اليومية
وأشار عكاشة إلى أن التوصل إلى حلول مستقرة بشأن أمن الممرات الملاحية من شأنه أن ينعكس إيجابياً على أسعار السلع الاستراتيجية، وفي مقدمتها النفط والطاقة، لافتاً إلى أن آثار ذلك لن تقف عند القطاعين فقط، بل ستمتد إلى مختلف السلع التي ترتبط بحياة المواطنين في المنطقة.
كما أن خفض مخاطر الملاحة وتعزيز الثقة في طرق الشحن يعني عملياً تقليل تكاليف التأمين والانتظار، وتحسين انتظام سلاسل الإمداد، ما ينعكس على الأسعار النهائية للمنتجات والمواد الخام، ويحد من التقلبات التي قد تنشأ عند أي اضطراب في البحر.
ما الذي يمكن توقعه خلال المرحلة المقبلة؟
خلص العميد خالد عكاشة إلى أن النقاشات الجارية في المحافل الإقليمية والدولية—بما فيها قمة بريكس والاجتماعات المرتقبة في سلطنة عمان—قد تفتح الباب أمام ترتيبات أوسع لتأمين الملاحة، عبر بلورة توجهات مشتركة تقوم على التهدئة، وحماية حركة الشحن، وضمان عدم استغلال المضايق البحرية كأداة تصعيد.
وبذلك، يصبح ملف أمن الممرات البحرية اختباراً حقيقياً لقدرة الدول على تحويل المصالح المتشابكة إلى تعاون عملي، بما يضمن استمرار تدفق التجارة والطاقة ويحمي الاقتصاد العالمي من آثار الاضطراب البحري.

التعليقات