التخطي إلى المحتوى

شارك الدكتور محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لتمويل التنمية المستدامة، افتراضيًا في اجتماع بعنوان “مواصلة التعاون بعد مؤتمر الأطراف السابع عشر لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر” الذي نظمه مجلس الأعمال العالمي للتنمية المستدامة.

وشدد الدكتور محيي الدين في كلمته على أن التعامل مع قضايا تدهور الأراضي وحرائق الغابات غالبًا ما يكون رد فعل بعد وقوع الأضرار، بدلًا من بناء القدرة على الصمود عبر استثمارات الوقاية والاستعداد. واعتبر أن الوقاية لا تقل أهمية عن الاستجابة، بل تمثل خيارًا أكثر فاعلية من حيث التكلفة والنتائج، خصوصًا في مواجهة ضغوط المناخ وتنامي موجات الجفاف وعدم الاستقرار البيئي.

1) الحرائق وتدهور الأراضي: منطق الاستثمار بدل الاستجابة

وأوضح أن الحفاظ على الأراضي ينبغي النظر إليه باعتباره استثمارًا في بنية تحتية اقتصادية وليس مجرد إجراء بيئي. فمن منظور تجاري واستثماري، يحد الاستثمار في إدارة الأراضي المستدامة من التكاليف الإضافية اللازمة لاستعادة الأراضي وتأهيلها بعد تعرضها للتدهور. كما أشار إلى أن تدهور الأراضي والجفاف والتصحر ترتبط بخسائر اقتصادية متزايدة، تشمل تراجع الإنتاجية الزراعية وزيادة الأعباء على الخدمات والخدمات اللوجستية المرتبطة بتأمين الغذاء والمياه.

وأكد كذلك أن حرائق الغابات لا تقتصر آثارها على البيئة، بل تمتد إلى الاقتصاد المحلي والإقليمي؛ إذ تؤثر على التوظيف والأنشطة المرتبطة بالغابات والأخشاب والتربة الخصبة، وتزيد من مخاطر الانزلاقات والتعرية وتلوث الهواء، ما ينعكس على الصحة العامة والإنفاق المرتبط بها.

2) التكلفة الاقتصادية وتحدي قياس الفجوات التمويلية

لفت الدكتور محيي الدين إلى ضرورة تحسين منهجيات قياس التكلفة الاقتصادية لتدهور الأراضي ونتائج الجفاف وحرائق الغابات، نظرًا للتباين الكبير في التقديرات الحالية. واعتبر أن الوصول إلى بيانات أدق وأكثر تفصيلًا يتطلب تحليلًا متقدمًا لفهم الفجوات وتحديد الاحتياجات التمويلية بصورة أدق.

كما أشار إلى مبادرات دولية مرتبطة بما بعد الناتج المحلي الإجمالي، ودعا إلى تطوير حسابات رأس المال الطبيعي. وطرح دمج القيمة الاقتصادية للموارد الطبيعية والنظم البيئية والخدمات التي توفرها ضمن أطر القياس والتوجيه والمساءلة. وأوضح أن ذلك يتطلب مجموعات بيانات متقدمة، وتحليلًا أفضل، ومشاركة أكثر فاعلية للمعلومات من الجهات الحكومية والخبراء والقطاع الخاص والمجتمع المدني.

3) لماذا لا تتدفق الاستثمارات بالقدر الكافي إلى الوقاية؟

أكد الدكتور محيي الدين أن الوقاية تحقق عوائد أعلى، مشيرًا إلى النقاشات التي شهدها مؤتمر الأطراف السابع عشر، وكذلك التحضيرات لمؤتمر الأطراف الحادي والثلاثين في أنطاليا، حول العوائد المرتفعة للاستثمار المبكر في الوقاية واستعادة الأراضي.

ورأى أن أحد التحديات يتمثل في تحديد القيمة القابلة للتحويل إلى عائد مالي مقابل القيمة التي تبقى منفعة عامة لا تُسعَّر بسهولة. وتساءل ما إذا كانت بعض المنافع—مثل حماية التربة ومنع الانجراف، وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود، وتحسين جودة الهواء—تبقى خارج المنظومة التجارية والاستثمارية التقليدية، ما يضعف إقبال المستثمرين والتمويل الخاص عليها.

ومن هنا دعا إلى التحول من الاستجابة إلى الاستثمار عبر الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتوفير حوافز أفضل للتعاون بينهما، وتسهيل الوصول إلى التكنولوجيا؛ بما في ذلك التقنيات المرتبطة بحماية الأراضي، وإدارة الجفاف، والوقاية من حرائق الغابات. كما دعا إلى تطوير هياكل الحوافز بما يجعل المشاريع الوقائية أكثر جاذبية ومضمونة من حيث المخاطر والعوائد.

4) الاتساق بين المستويات: عالمي، إقليمي، وطني، ومحلي

أوضح الدكتور محيي الدين أن التعامل مع قضايا الأراضي والمناخ يحتاج إلى قدر أكبر من الاتساق على أربعة مستويات: العالمي، والإقليمي، والوطني، والمحلي. وشدد على أن التحديات البيئية لا تتوقف عند الحدود الوطنية، ما يجعل التعاون الإقليمي جزءًا أساسيًا من الاستراتيجيات الفاعلة.

ودعا إلى وجود أطر سياسات متسقة على المستوى الوطني تضمن التنسيق بين مختلف الوزارات والجهات الحكومية، مع الاهتمام بالمستوى المحلي حيث تظهر النتائج الإيجابية أو السلبية بشكل مباشر. وأكد أن إشراك المجتمعات المحلية في تصميم وتنفيذ الحلول يعزز الاستدامة ويزيد من فرص نجاح التدخلات.

5) القياس والإبلاغ والتحقق: من البيانات إلى التنفيذ

أكد الدكتور محيي الدين أهمية أنظمة القياس والإبلاغ والتحقق. وبين أن تطوير التقارير والبيانات وحده لا يكفي؛ بل يجب أن يتبع ذلك تحرك فعلي يقوم على القيادة والمساءلة والحوكمة. كما أشار إلى إمكانية الاستفادة من أدوات مالية، ومن بينها مبادلات الديون، باعتبارها جزءًا من الحلول التمويلية، بحيث يمكن البدء بمعاملات محددة وقابلة للتوسع.

وفي سياق التمويل المعلن خلال مؤتمرات الأطراف، شدد على وجود فجوة بين التعهدات والتمويل الفعلي. ورأى أن الوعود والالتزامات المالية تحتاج إلى شفافية وإفصاح ومساءلة أكبر لضمان تحولها إلى تدفقات مالية حقيقية. كما أشار إلى أن الالتزامات المرتبطة بالأراضي واستعادة النظم البيئية—ومنها نحو 1.2 مليار دولار للمراعي و1.3 مليار دولار لاستعادة الأراضي ومواجهة الجفاف—تظل محدودة مقارنةً بفجوة التمويل السنوية المقدرة بنحو 355 مليار دولار.

وختم بأن سد الفجوة التمويلية يتطلب توسيع نطاق استخدام الموازنات العامة، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، وتشجيع التعاون الإقليمي، إضافة إلى تعزيز دور القطاع الخاص من خلال نماذج تمويل مبتكرة وحوافز مناسبة.

6) ربط مخرجات مؤتمرات الأطراف بأجندة التنمية المستدامة

في ختام كلمته، شدد الدكتور محيي الدين على أهمية الربط بين مخرجات مؤتمرات الأطراف المختلفة وأجندة التنمية المستدامة. وأكد ضرورة الانتقال من التعهدات إلى التنفيذ، وربط العمل المناخي بقضايا الغذاء والمياه والزراعة وسبل العيش، إلى جانب استعادة الأراضي وحماية المناطق الساحلية. وتوقع أن يسهم هذا الربط في تحويل الفرص الممكنة إلى استثمارات فعلية ذات أثر ملموس على الأرض.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *