يُرجع الباحثون أصل التقويم القبطي إلى منظومة التقويم التي طوّرها المصريون القدماء، حيث لم يكن الهدف منه مجرد تنظيم التواريخ، بل كان مرتبطًا مباشرةً بفهم حركة السماء وربطها بإيقاع الحياة اليومية—خصوصًا الزراعة. ويؤكد دكتور إسلام محمد سعيد، أستاذ الإرشاد السياحي وعضو اتحاد المؤرخين العرب، أن المصريين القدماء حققوا تقدمًا واضحًا في علم الفلك، واستخدموا الظواهر الكونية لتحديد التوقيت الأنسب لبدء العمل الزراعي.
وفي تفسير البدايات، يشير سعيد إلى أن المصري القديم اعتمد التقويم لتنظيم مواسم الزراعة وتقسيم السنة إلى ثلاثة فصول، يضم كل فصل 4 أشهر، ليكون مجموع الأشهر 12 شهرًا. كما كان الشهر يتكوّن من 30 يومًا، وبذلك تصل أيام السنة إلى 365 يومًا مع إضافة خمسة أيام في نهاية العام كأيام إضافية لاستكمال الدورة الزمنية.
ويلفت سعيد إلى جانب دقيق في هذه المنظومة يتمثل في أن السنة المصرية القديمة لم تكن تساوي 365 يومًا فقط، بل كانت تقارب 365 يومًا و6 ساعات. ومع تراكم هذا الفارق الزمني مع مرور السنوات، ظهرت لاحقًا فكرة السنة الكبيسة التي يتم فيها إضافة يوم كل 4 سنوات لتقليل الانحراف بين التقويم والحركة الفلكية.
ومن العلامات الفلكية التي كانت تُعد مرجعًا مهمًا لدى الفراعنة ظهور نجم الشِّعرى اليمانية قرب منتصف يوليو، إذ ارتبط ظهوره ببداية فترة زراعية/نهرية حاسمة عند المصريين القدماء، بما يعكس مدى ارتباط التقويم بالبيئة الزراعية ودورة المياه.
وعن الصلة بالتقويم القبطي الحالي، توضّح الرواية التاريخية أن التقويم القبطي احتفظ بالأساس العام نفسه الذي انبنى عليه التقويم المصري القديم، مع حدوث تعديلات تتعلق بتوقيت بداية العام نتيجة ظروف سياسية وتقلبات الحكم، لا سيما في العصور البطلمية والرومانية. ومع ذلك بقي الهيكل الزمني والمرجعية الفلكية لصيقة بالواقع الزراعي.
وتبقى أهمية التقويم القبطي حتى اليوم واضحة لدى عدد من الفلاحين، إذ يساعدهم على تحديد مواسم الزراعة اعتمادًا على ارتباطه بالفصول وما يصاحبها من تغيرات مناخية، فضلًا عن انتظام ظواهر بيئية مثل دورة النيل التي شكلت تاريخيًا أساس التوقيت الزراعي في مصر.
وبذلك يمكن القول إن التقويم القبطي ليس مجرد تاريخ ديني أو رمزي، بل هو امتداد لفكر علمي مصري قديم جمع بين الفلك والزراعة والإدارة الزمنية للمجتمع، وما زالت آثاره حاضرة في طريقة حساب المواسم حتى عصرنا الحالي.

التعليقات