التخطي إلى المحتوى

تعاني البيئة من أضرار متزايدة جراء الاعتماد على البطاريات التي تُستخدم لمرة واحدة، إذ تحتوي على مواد قد تتحرر مع تحلل الغلاف المعدني وتصل إلى التربة والمياه، ما يرفع مخاطر التلوث ويؤثر في الأنظمة البيئية. كما أن كلفة البطاريات—وخاصة في الدول النامية—تمثل تحديًا إضافيًا، خصوصًا عندما تتطلب الحاجة اليومية لبطاريات صغيرة متعددة للأجهزة المنزلية والتقنيات المساندة.

وفي محاولة لمعالجة هذه المشكلة من جذورها، طوّر باحثون من جامعة كامبريدج تقنية تعتمد على الطحالب كمصدر طاقة متجدد وأكثر ملاءمة للبيئة، بدلًا من البطاريات التقليدية.

## كهرباء مستمدة من عملية طبيعية
الفكرة الجوهرية تقوم على استغلال الكهرباء التي تتولد بشكل طبيعي داخل الطحالب أثناء عملية التمثيل الضوئي. الفريق ركّز على نوع من الطحالب الخضراء المزرقة (المعروفة أيضًا باسم “البكتيريا الزرقاء الضوئية”)، والتي تستطيع امتصاص ثاني أكسيد الكربون من الهواء واستخدام ضوء الشمس لدعم نموها.

بحسب المشرف العلمي على المشروع، تمكّن الباحثون من إيجاد طريقة للاستفادة من هذه العملية الحيوية لتوليد كهرباء بشكل مستمر، مع التأكيد أن استغلالها لا يهدف إلى الإضرار بالنباتات أو تعريضها لممارسات تهلكها. وجرى التفكير في توظيف مصدر الطاقة هذا لتشغيل أجهزة صغيرة منخفضة استهلاك الطاقة مثل أجهزة التحكم عن بُعد، وأنظمة الإنذار، وساعات المنبه.

## “خلية حيوية” تعمل طالما بقيت حية
تتحول الطحالب—عندما تُدمج ضمن نظام تقني—إلى ما يمكن اعتباره خلية حيوية تولّد شحنات كهربائية عبر تدفق الإلكترونات المرتبط بعملية التمثيل الضوئي. والفرق هنا أن الطاقة لا تأتي من تفاعل كيميائي داخل بطارية قابلة للاستهلاك والانتهاء، بل من استمرار نشاط كائن حي داخل نظام مصمم.

وتحمل التقنية هدفًا مزدوجًا: تقليل الاعتماد على البطاريات قدر الإمكان، وتوسيع مفهوم توليد الكهرباء ليصبح أقرب إلى مصادر الطاقة المتجددة التي يمكن تشغيلها لفترات أطول. وتشير نتائج الباحثين إلى إمكانية تشغيل هذه الأنظمة بصورة أكثر استمرارية مقارنة بالبطاريات، بما في ذلك العمل حتى مع غياب الضوء لفترات معينة—بحسب تصميم النظام وطبيعة تشغيله.

## دمج التكنولوجيا داخل كائن حي
لتحويل المفهوم من تجربة مخبرية إلى منتج قابل للاستخدام، لم يكتفِ الفريق بالدراسة العلمية فقط، بل اهتم أيضًا بكيفية تصميم الجهاز بطريقة تسمح للكائن الحي بالتفاعل معه.

استعانت الدراسة بمصممة الخلايا الحيوية لوسيا جيرون، والتي أشارت إلى أن من التحديات الأساسية في هذا النوع من التصميم هو إنشاء جهاز تقني في هيئة تتيح للكائن الحي “العيش والعمل” في الوقت نفسه. لذلك تم التفكير في عناصر مثل الشفافية، وتوزيع الضوء داخل الحاوية، ووجود واجهات استشعار تساعد على متابعة الحالة التشغيلية.

ومن أمثلة التصور العملي لجهاز متكامل: ساعة منبه تعمل عبر صندوق شفاف أنيق يحتوي على الطحالب، مع واجهة لاستشعار درجة الحرارة إضافة إلى خلية تجريبية. وتسمح الشفافية—إلى جانب كونها عنصرًا جماليًا—بإشراك المستخدم في رؤية النظام الحيوي نفسه، ما يعزز الوعي ويخلق تجربة تفاعلية تربط بين “المكوّن الحي” والعمل التقني داخل الجهاز.

## آفاق للتوسع والفائدة في البيئات النائية
رغم أن التقنية ما تزال في مراحلها الأولى وتستند إلى سنوات من البحث، فإن الباحثين يتطلعون إلى تطويرها وتوسيع نطاق استخدامها. من أبرز السيناريوهات المحتملة الاستفادة منها في المناطق الريفية النائية التي لا ترتبط دائمًا بالشبكات الكهربائية، حيث يمكن أن توفر وسيلة لشحن أجهزة صغيرة أو تشغيل حساسات بيئية.

ومن الاستخدامات المتوقعة أيضًا دعم أنظمة مراقبة جودة المياه عبر حساسات تراقب مؤشرات مختلفة، أو تشغيل أجهزة جمع بيانات بيئية على فترات طويلة دون الحاجة لتبديل بطاريات بشكل متكرر.

## لماذا قد تغيّر هذه الفكرة معادلة الطاقة للأجهزة الصغيرة؟
يرى الباحثون أن استبدال ملايين البطاريات الصغيرة بمصدر طاقة أنظف يمكن أن يكون له أثر بيئي كبير. فالبطاريات القابلة للاستخدام لمرة واحدة تعني دورة التخلص والتصنيع من جديد بشكل متكرر، بينما تمثل الخلية الحيوية القائمة على الطحالب نهجًا مختلفًا: مصدر طاقة مرتبط باستمرارية كائن حي داخل نظام مصمم، ما يجعل الأفق واعدًا للعديد من التطبيقات المستقبلية.

في النهاية، تسلط هذه التقنية الضوء على اتجاه متنامٍ نحو “الطاقة الحيوية” التي لا تقتصر على توليد الكهرباء فقط، بل تجمع بين الاستدامة والتصميم القابل للاستخدام وتقديم حلول عملية للأجهزة منخفضة الاستهلاك—مع إمكانية التوسع نحو حلول تخدم المجتمعات الأقل وصولًا للبنية التحتية الكهربائية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *