التخطي إلى المحتوى

تؤكد الدكتورة هدى سلامة، الباحثة في علوم المتاحف بجامعة عين شمس، أن مفهوم عرض القطع الأثرية داخل المتاحف شهد نقلة نوعية خلال السنوات الأخيرة، مدفوعًا بدخول التكنولوجيا الحديثة إلى هذا المجال، وتغير أساليب استهلاك المعلومات لدى الجمهور.

وتوضح “سلامة” أن المتاحف في السابق كانت تعتمد بدرجة أكبر على عرض القطعة الأثرية نفسها إلى جانب بطاقة تعريفية تتضمن معلومات أساسية عنها، بحيث يكتسب الزائر معرفته من خلال المشاهدة المباشرة والقراءة فقط. وكان هذا النمط يمثل الوسيلة التقليدية للتعرف على تاريخ القطعة وقيمتها الثقافية، لكنه في كثير من الأحيان كان أقل قدرة على جذب اهتمام الزوار من مختلف الفئات العمرية.

وتضيف الباحثة أن الزائر اليوم أصبح قادرًا على التعرف على آثار بلده بطرق متعددة، ليس فقط عبر النصوص، بل من خلال أدوات رقمية تفاعلية تساهم في فهم أعمق للمحتوى. ويأتي ذلك بالتزامن مع ظهور جيل جديد يعتمد بدرجة كبيرة على الوسائط الرقمية للحصول على المعلومات، ما يدفع المتاحف إلى إعادة التفكير في طريقة تقديم المعرفة.

التكنولوجيا وسيلة جذب للجيل الرقمي

وتؤكد الدكتورة هدى سلامة أن الجيل الحالي يوصف بأنه “جيل رقمي”، وبالتالي فإن أي تطوير في المتاحف يجب أن يراعي طبيعة هذا الجيل واحتياجاته. ومن هنا تصبح التكنولوجيا ليست مجرد إضافة شكلية، بل أداة تساعد على بناء تجربة متحفية أكثر قربًا من اهتمامات الزائر، وأسهل في التلقي، وأكثر وضوحًا في تقديم الرسائل الثقافية.

وتُسهم التكنولوجيا في تبسيط المعلومات الثقافية وإيصالها بأساليب متنوعة، بما يساهم في تقريب التراث والآثار من الجمهور. فبدلاً من الاعتماد على مصدر واحد للمعلومة، يتيح المحتوى الرقمي مسارات متعددة للتعلم، مثل الفيديوهات التوضيحية، والعروض السمعية، والوسائط البصرية التي تعزز الفهم وتدعم الاستيعاب.

تجربة متحفية تفاعلية تتجاوز “المشاهدة فقط”

تشير الباحثة في علوم المتاحف إلى أن استخدام الوسائل الرقمية لا يقتصر على عرض المعلومات بشكل مباشر، بل يمكن توظيفها لعرض سياق القطعة الأثرية وربطها بتاريخ المجتمع ومراحل تطوره. كما يمكن تحويل المتحف إلى مساحة تعلم وتفاعل، لا تُقدِّم القطع فقط، بل تشرح “كيف” وصلت إلى وضعها الحالي، و”ماذا تعني” ضمن منظومة تاريخية أوسع.

وتوضح أنه يمكن إثراء تجربة الزائر عبر تقنيات مثل شاشات التفاعلية داخل القاعات، والتطبيقات الهاتفية التي توفر معلومات إضافية بنصوص وصور وفيديوهات، والخرائط الرقمية التي تساعد على تتبع مسار الزيارة وربط المعروضات ببعضها. كذلك تساهم تقنيات الواقع المعزز والواقع الافتراضي في تقديم نماذج توضيحية أو إعادة تصور لبيئات تاريخية، بما يمنح الزائر تجربة أقرب إلى “المشاركة” وليس الاكتفاء بالاطلاع.

وتؤكد الدكتورة هدى سلامة أن مواكبة التطور التكنولوجي أصبحت ضرورة، خاصة مع تغير طرق تلقي المعلومات وازدياد توقعات الجمهور من حيث السرعة وسهولة الوصول ووضوح المحتوى. وتؤكد أن توظيف التكنولوجيا بصورة صحيحة ومدروسة يمكن أن يعزز ارتباط الأجيال الجديدة بآثار بلدها وتراثه، عبر تحويل الزيارة من تجربة سلبية إلى تجربة معرفية نشطة.

وفي النهاية، فإن الهدف ليس استبدال المتحف بوسائل رقمية فحسب، بل تعزيز دور المتحف كمنصة تعليمية وثقافية، عبر دمج التكنولوجيا مع العرض التقليدي بحيث يبقى للقطعة الأثرية حضورها وقيمتها، بينما يحصل الزائر على فهم أعمق من خلال محتوى تفاعلي ومعلومات مبسطة وغنية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *