التخطي إلى المحتوى

مع تزايد استهداف ناقلات النفط والسفن في مياه الخليج وممر هرمز، تتجه إيران إلى تصعيد محسوب ضمن صراع أوسع مع الولايات المتحدة، في محاولة لكسر الجمود الذي يضغط على اقتصادها ويزيد كلفة الحصار عليها. ووفقًا لقراءات وتقارير صحفية، فإن التحركات الأخيرة لا تُقرأ فقط كرسائل ردع، بل أيضًا كمحاولة لتوسيع نطاق التأثير على القوات الأميركية وحركة الملاحة في المنطقة.

في الأسبوع الماضي، أطلقت قوات إيرانية صواريخ على سفن حربية أميركية في ثلاث مناسبات على الأقل، شملت—بحسب ما ورد—حاملة طائرات، وهو مستوى استهداف اعتُبر مباشرًا وذا دلالة مقارنة بما جرى منذ بداية الحرب. وفي تطور منفصل، شُنَّت يوم الأربعاء ضربات صاروخية كثيفة على قوات أميركية متمركزة في الأردن، ما يعكس توجهًا لإيصال التهديد إلى ما وراء البحر وإلى نقاط تتمركز فيها عناصر مرتبطة بالوجود العسكري الأميركي.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن محاولات استهداف السفن الحربية لم تعد تقتصر على “التهديد” بقدر ما باتت أقرب لتحقيق إصابات مقارنة بالمحاولات السابقة. ويُرجَّح أن أحد العوامل الحاسمة يكمن في استخدام رؤوس حربية “قادرة على المناورة أثناء الطيران”، ما يجعل مسارها أقل قابلية للتنبؤ بالنسبة لوسائل اعتراض تقليدية، ويزيد فرص عبور منظومات الدفاع أو على الأقل إرباكها.

كما تذكر المعلومات المتداولة أن جزءًا من هذه الهجمات اعتمد صواريخ باليستية متوسطة المدى تُطلق من مواقع متعددة داخل الأراضي الإيرانية، وتقطع مسافات طويلة بسرعة عالية. والأهم—بحسب ما نُقل—أن هذه الصواريخ مزودة بتقنيات متقدمة وتستطيع تغيير المسار قرب الهدف لمواجهة دفاعات العدو، وهو ما يرفع من خطورة الهجمات مقارنة بعدة منظومات أو ذخائر إيرانية سابقة كانت أقل قدرة على المناورة أو أقل تعقيدًا من ناحية التوجيه والتفادي.

مع ذلك، شددت قيادة مركزية أميركية على أن السفن الحربية تمكنت من تفادي الهجمات أو التعامل معها دون تعرضها لإصابات حاسمة. لكن حتى مع نجاح الاعتراض، فإن تكرار الاستهداف المباشر يثير قلقًا متزايدًا لدى المسؤولين الأميركيين من احتمال تطور القدرات الإيرانية، وما إن كانت هذه التطورات قد شهدت دعمًا أو نقل خبرات من جهات خارجية مثل روسيا أو الصين. وتُرجمت هذه المخاوف إلى قراءة مفادها أن الهجمات قد لا تكون مجرد رد فعل سريع، بل جزء من استراتيجية أوسع لتقليص فعالية الردع الأميركي أو زيادة الضغط عليه.

وتخشى واشنطن أن يؤدي أي اختراق حقيقي للدفاعات—أي إصابة سفينة حربية أميركية—إلى رد أميركي عنيف قد يفتح الباب أمام جولة أوسع من الصراع. لذلك تُعد هذه المرحلة أكثر حساسية، إذ إن مجرد تحول التهديد إلى حدث مؤكد قد يغير حسابات التصعيد بشكل كبير.

من زاوية التحليل السياسي والعسكري، يُنظر إلى هذا التصعيد باعتباره خطوة تتجاوز الهجمات المدروسة التي جرى توجيهها خلال الأسابيع الماضية ضد سفن تجارية في مضيق هرمز أو ضد أهداف أميركية أقل حساسية نسبيًا في الكويت والبحرين والأردن. أما الآن، فيبدو أن طهران تتعمد توجيه الضربة إلى أهداف عسكرية أميركية أكثر مباشرة، ما يعني مخاطرة أعلى، لكنه—وفق منطق الصراع—قد يكون مدفوعًا بعوامل داخلية ضاغطة.

ويُربط المحللون بين زيادة العدوانية وبين اشتداد الضغط الاقتصادي. فمن ناحية، تشير تقديرات إلى أن 19 سفينة تابعة للبحرية الأميركية تفرض قيودًا وحصارًا على الموانئ الإيرانية، ما أدى إلى تعطل أو توقف صادرات النفط. ومن ناحية أخرى، أدت عقوبات أميركية جديدة إلى اضطراب في الوضع المالي في طهران، بما في ذلك تدهور قيمة العملة وإجبار الحكومة على تقليص دعم الوقود. وفي هذا السياق، يرى مارك سيفرز، السفير الأميركي السابق لدى سلطنة عُمان، أن إيران تصعد لأنها لا ترى خيارات أخرى، إذ تواجه ضغوطًا هائلة نتيجة الحصار والعقوبات.

وبالإضافة إلى ذلك، يرى بعض المحللين أن الهدف ليس بالضرورة منافسة القوة العسكرية الأميركية بشكل مباشر، وإنما جعل “الوضع القائم غير قابل للاستمرار” عبر استنزاف القدرات الدفاعية الأميركية وإجبارها على إعادة تقييم تكلفة الرد. فحتى لو تمكنت واشنطن من تدمير منصات إطلاق أو تحسين إجراءات مكافحة التهديدات، فإن استمرار إطلاق الصواريخ ومحاولة التشويش قد يستهلك مخزون صواريخ الاعتراض ويستنزف الوقت والموارد.

وفي قراءة للمخاطر المرتبطة بالتصعيد، تشير أليس غاور، الشريكة في شركة “أزور ستراتيجي” المختصة بالمخاطر السياسية، إلى أن إيران قد تسعى لتحقيق مكاسب حتى في حال نجاح الضربة أو حتى عند وقوع أضرار محدودة. ويُنظر إلى ذلك من زاوية الضغوط السياسية على الرئيس الأميركي، إذ إن وقوع ضرر في سفينة أميركية قد يضعه أمام خيارات صعبة: رد انتقامي مكلف أو تجنب التصعيد بما قد ينعكس سلبًا سياسيًا قبيل محطات انتخابية مهمة.

ومع ذلك، يؤكد مسؤولون ومحللون سابقون أن الهجمات—رغم خطورتها—لن تُضعف فعالية الحصار الأميركي. فحتى إذا تغير نمط التهديد، فإن بإمكان البحرية الأميركية إعادة تموضع سفنها إلى مسافات أبعد من السواحل الإيرانية، بما يحافظ على قدرة الحصار على الاستمرار وتقليل فرص الاستهداف المباشر.

في المحصلة، يضع التصعيد الحالي المنطقة أمام مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة، حيث يتداخل التطور في وسائل الاستهداف الإيرانية مع تحديات الدفاع والردع الأميركي. ومع استمرار الضغوط الاقتصادية على طهران، قد تجد طهران نفسها مضطرة لمواصلة الضغط العسكري، بينما تتعامل واشنطن مع معادلة دقيقة بين حماية قواتها وتجنب تحول كل حادثة إلى اشتباك واسع النطاق قد يقلب حسابات المنطقة بسرعة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *