حققت البعثة المصرية إنجازًا كبيرًا خلال دورة البحر المتوسط التي أُقيمت في مدينة تارانتو الإيطالية، لتضيف فصلًا جديدًا في سجل مشاركات المنتخبات المصرية بالبطولات متعددة الرياضات في المنطقة. ولم يقتصر التفوق على جمع الميداليات فحسب، بل تجسد في أرقام ورسائل رياضية واضحة: تقدم نوعي في المستوى، وثبات تنافسي تحت ضغط المنافسات، وعودة لافتة إلى صدارة الإنجازات.
فقد نجح لاعبو مصر في حصد 58 ميدالية متنوعة، توزعت إلى 23 ميدالية ذهبية و16 ميدالية فضية و19 ميدالية برونزية. وتُعد هذه الحصيلة انعكاسًا لبرنامج إعداد طويل المدى، ونتيجة لتكامل منظومة التدريب بين الاتحادات المختلفة، مع التركيز على تطوير الأداء الفني والبدني وإدارة مراحل المنافسة بأعلى كفاءة.
أحد أهم ملامح هذا الإنجاز جاء بما يمكن تسميته “فلسفة الكيف قبل الكم”. فالميداليات لم تكن مجرد أرقام في جدول ترتيب، بل كانت ترجمة لعمل استمر سنوات طويلة ونجح في كسر حاجز كان صامدًا لمدة 13 عامًا. وفي دورة تارانتو، جاءت إنجازات مصر مع بعثة تضم 196 لاعبًا ولاعبة، وهو عامل يعكس كفاءة التوزيع العددي للرياضيين على منافسات متعددة قياسًا بحجم المنافسين.
وفي السياق المقارن، حققت إيطاليا 498 ميدالية، وتركيا 334، وفرنسا 330، واليونان 281، والجزائر 268، وإسبانيا 249. ومع ذلك، حافظت مصر على حضور قوي في مختلف الرياضات، وبنت التفوق على جودة النتائج وليس على مجرد كثافة المشاركة.
ومن أبرز المحطات التي يعززها هذا الإنجاز أن مصر استطاعت تحطيم رقم ميرسين 2013، بعدما أصبحت حصيلة تارانتو بمثابة صفحة جديدة في تاريخ المشاركة المصرية بالبطولة. ففي الدورة الحالية تحققت 58 ميدالية منها 23 ذهبية و16 فضية و19 برونزية، لتصبح “تارانٽو” تاريخًا جديدًا بدلًا من أن تبقى “ميرسين” مجرد رقم سابق.
وتحكي الذهبيات مسارًا واضحًا لتنوع مصادر القوة المصرية. البداية جاءت مع السباح عبد الرحمن سامح الذي أحرز ذهبية سباق 50 متر فراشة، ثم في المصارعة برز محمد حسن بوزن 67 كجم، وسمر حمزة بوزن 76 كجم. كما شهدت منافسات السلاح تألقًا ملحوظًا، حيث توّج محمد السيد في سيف المبارزة، ومحمّد حمزة في الشيش. وفي الجودو، جاءت الذهبية عبر عمر الرملي بوزن 100 كجم.
وعلى مستوى الكاراتيه، حققت مصر ثلاث ذهبيات عبر فريال أشرف وطه طارق ورحمة طلبة، ما يؤكد تطور منظومة تدريب الأسلحة القتالية لدى الشباب والناشئين وصولًا للمنتخب. أما تنس الطاولة، فقد شهد تتويج منتخب السيدات بذهبية الفرق، مع إضافة إنجاز فردي للعبة هنا جودة. وفي رفع الأثقال، توزعت الذهبيات بين سارة سمير وعبد الرحمن يونس وكريم كحلة وروفيدة فتحي ونور الدين محمد.
كما امتد التفوق إلى سباحة الزعانف، حيث جاءت الذهبيات من خلال مهاب إيهاب وطارق حسن وأحمد هشام رضوان. وبالإضافة إلى ذلك، أضاف منتخب كرة اليد رجال إنجازًا بارزًا بذهبية جديدة ضمن سلسلة النتائج المضيئة.
ولم تتوقف القصة عند الذهب فقط، بل جاء استمرار التألق في الفضيات. فقد شكلت 16 ميدالية فضية تأكيدًا واضحًا أن مصر لا تكتفي بالاقتراب من القمة، بل تفرض نفسها منافسًا دائمًا على منصات التتويج. ومن أبرز الأسماء: نبيلة علاء الدين في الملاكمة، وسارة حسني ويوسف شامل في السلاح، وعمر الشبكي في الجمباز، وعبد الرحمن عبد الغني في الجودو، إلى جانب محمود فراج وعبد الرحمن هيثم في المصارعة.
كما أضاف منتخب الرجال لتنس الطاولة فضية الفرق، وبرزت هنا جودة وعمر عصر في الزوجي المختلط. وفي السلاح، جاءت مساهمات إضافية عبر يوسف عبد العزيز في فضية جديدة. وفي رفع الأثقال، سجلت روفيدة فتحي ونور الدين محمد فضيتين، بينما واصل لاعبو سباحة الزعانف إضافة الفضيات من خلال سلمى ربيع، ومريم محمد حلمي حجاب، وندى مجدي هجرس، وأحمد عوض.
أما البرونزيات، فبلغت 19 ميدالية في مجموعة واسعة من الألعاب، شملت ألعاب القوى والملاكمة والسلاح والجمباز والجودو والكاراتيه والسباحة والمصارعة ورفع الأثقال وسباحة الزعانف. وتكامل هذه النتائج يوضح أن التفوق المصري شمل القمة والاقتراب منها، إضافة إلى الحفاظ على مستوى ثابت يضمن تواجدًا متكررًا حتى في المراكز الثالثة.
وبذلك، خرجت مصر من تارانتو وهي تحمل عدة مكاسب في آن واحد: حصيلة تاريخية، وتحطيم رقم قياسي سابق، وكسر حاجز عمره 13 عامًا، وعودة واضحة إلى صدارة المنافسة في ألعاب متعددة. وبينما تتابع البعثة مشهد التتويج، تبدو القصة في طريقها لأن تتحول من إنجاز لحظة إلى نموذج نجاح للسنوات المقبلة، قائم على “الكيف قبل الكم” وترسيخ ثقافة الفوز في مختلف التخصصات.

التعليقات