تأجل مجددًا إطلاق أول مهمة فضائية خاصة تستهدف كوكب الزهرة للبحث عن علامات محتملة للحياة، وذلك بعد حادث وقع في خزان وقود صاروخ “نيوترون” التابع لشركة “روكيت لاب” خلال اختبار أرضي أجري في يناير 2026. وكانت المهمة تُعد خطوة ضمن برنامج “نجمة الصباح” لإرسال مجسات متخصصة إلى سحب الزهرة، لكن العطل دفع الجهة المنفذة إلى إعادة جدولة الموعد حتى إشعار آخر.
وبحسب التفاصيل المتاحة، كانت المهمة البحثية—المعروفة بمهمة “الباحث عن الحياة على كوكب الزهرة”—مرتبطة بفكرة علمية طورتها فرق من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بالتعاون مع مختبر الصواريخ، وتركز على رصد الجزيئات العضوية أو مؤشرات كيميائية قد ترتبط بعمليات حيوية محتملة ضمن الغلاف الجوي السحابي للكوكب. وعلى الرغم من أن المسبار نفسه كان قد قطع مراحل متقدمة، فإن حادث نظام الدفع المرتبط بصاروخ نيوترون استحوذ على الاهتمام بوصفه السبب المباشر للتأجيل.
# موعد جديد غير محسوم بعد
تتمثل الخطة الحالية في محاولة إطلاق المهمة خلال الربع الأخير من 2026، إلا أن الموعد لم يُعلن عنه بشكل نهائي بعد. وقد أشارت سارة سيجر—العالمة الرئيسية وأستاذة علوم الكواكب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا—إلى أن فريق المشروع “ينتظر أن يكون مشروع نيوترون جاهزًا”، بما يعكس أن التأجيل الحالي مرتبط بدرجة أساسية بقدرة الصاروخ على اجتياز المتطلبات التشغيلية قبل الانطلاق.
ومن المهم الإشارة إلى أن المهمة تُعد ضمن فئة المشاريع منخفضة الكلفة نسبيًا مقارنة بمهمات الزهرة المعقدة، إذ بلغ إجمالي تكلفتها أقل من 10 ملايين دولار. كما يضم الفريق العلمي والتقني علماء من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ومختبر الصواريخ في كاليفورنيا.
# ماذا ستفعل مهمة “الباحث عن الحياة”؟
يركز المشروع على دراسة السحب على ارتفاع يتراوح بين 48 و60 كيلومترًا فوق سطح الزهرة، وهي منطقة يعتقد أنها قد تحمل آثارًا كيميائية مهمة لفهم تطور الكوكب وإمكانات وجود نشاط حيوي محتمل. ووفقًا للتصميم، من المتوقع أن يجمع المسبار البيانات خلال مدة قصيرة نسبيًا لا تتجاوز حوالي 5 دقائق من هبوطه داخل الغلاف الجوي.
وتعتمد الخطة على أداة رئيسية تتمثل في مقياس التعكر بالتألق الذاتى، وهو محلل ليزري يقيس خصائص الجسيمات الفردية داخل السحب من حيث الحجم والشكل والتركيب. ويُعد هذا النوع من القياسات حساسًا للتمييز بين تراكيب مختلفة قد تنتج عن تفاعلات كيميائية غير حيوية أو عمليات مرتبطة بنظم حيوية—بما يمنح العلماء مؤشرات أولية حول طبيعة المواد الموجودة.
إضافة إلى ذلك، صُمم الدرع الحراري للمركبة الفضائية ليقاوم بيئة الزهرة القاسية أثناء الدخول إلى الغلاف الجوي الكثيف. وذكرت المعلومات أن مادة HEEET المستخدمة في الدرع الحراري قادرة على تحمل درجات حرارة تصل إلى 2500 درجة مئوية، وهو عامل حاسم لتمكين المسبار من الاستمرار لفترة كافية لأخذ القياسات المطلوبة.
# تقدم المسبار مقابل تعطل الصاروخ
خلال مارس 2025، تم تسليم الدرع الحراري إلى “روكيت لاب”، بينما يُخزن المسبار—بعد تجميعه بالكامل—حاليًا في مقر الشركة بمدينة لونغ بيتش. هذا يعني أن جزءًا كبيرًا من التحضير التقني للمركبة البحثية اكتمل أو اقترب من الاكتمال، إلا أن صاروخ نيوترون ذاته لم يصبح بعد جاهزًا لإجراء تجربة إطلاق فعلية.
وكان من المقرر إطلاق نيوترون لأول مرة في عام 2024، لكن سلسلة من التأجيلات طالت البرنامج، وكان حادث يناير 2026 ضمن أحدث هذه التأخيرات. وبذلك، انتقلت المشكلة من مرحلة تجهيز المهمة البحثية إلى مرحلة تجهيز منظومة الإطلاق نفسها.
# ما هو “نيوترون” ولماذا يهم؟
يُصنف صاروخ نيوترون كناقل متوسط الحجم وقابل لإعادة الاستخدام. وتبلغ سعة حمولته عادةً ما بين 13 و15 طنًا إلى مدار أرضي منخفض. ورغم أن الفكرة التقنية تركز على زيادة الكفاءة عبر إمكانية إعادة الاستخدام، إلا أن الصاروخ—بحسب المعلومات المتاحة—لم يخضع بعد لتجربة إطلاق فعلية، ما يجعل أي عطل في أحد المكونات الحيوية سببًا مباشرًا لتأجيل المهام المرتبطة به.
# خطط موازية لبرنامج الزهرة
في الوقت الذي لم يكتمل فيه استعداد نيوترون للإطلاق، يواصل فريق سارة سيجر العمل على المراحل اللاحقة ضمن برنامج استكشاف الزهرة. ومن بين هذه الخطط تطوير مسبار “أوريجين” الذي يُتوقع أن يحمل مطياف كتلة لتحليل الجزيئات بشكل أعمق، إلى جانب أجهزة استشعار كيميائية إضافية لتحسين القدرة على رصد البصمات المرتبطة بالمركبات الموجودة في الغلاف الجوي.
كما يجري العمل على فكرة بالون تبلغ أطواله نحو 5 أمتار، صُمم ليعمل كمنصة عائمة ضمن الغيوم لمدة أسبوع تقريبًا. ويأتي هذا التوجه ضمن استراتيجية أوسع تجمع بين أساليب القياس القصير المكثف (خلال دقائق من الهبوط) وقياسات ممتدة زمنياً عبر منصات عائمة، بهدف بناء صورة كيميائية أكثر شمولًا عن سحب الزهرة.
# لماذا لا يُشبه الزهرة الأرض؟
سبق أن أشار باحثون إلى أسباب عدم تحول الزهرة—حتى الآن—إلى كوكب شبيه بالأرض، اعتمادًا على نتائج محاكاة واسعة لتطور الكوكب. وجرى الاستناد إلى حجم كبير من عمليات المحاكاة (بحسب ما ورد، يصل إلى 300 ألف محاكاة) لفهم المسارات المختلفة لتطور الغلاف الجوي وتأثيرات الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية خلال الزمن.
وبينما تنتظر المهمة الأولى إلى الزهرة تأكيد جاهزية الإطلاق، تظل القيمة العلمية عالية: فكل تأخير في موعد الإطلاق يقابله—عادة—استمرار العمل على تحسين الأدوات وتعزيز دقة القياسات، ما يجعل برنامج “نجمة الصباح” مشروعًا طويل النفس يسعى تدريجيًا لكشف أسرار كوكب ما زال يخفي خلف سحبه إمكانات علمية كبيرة حول تركيب غلافه الجوي وإمكانية وجود مركبات ذات صلة بالحياة.

التعليقات