تُظهر بيانات المرحلة الأخيرة أن العلاقات الاقتصادية بين مصر والصين لم تعد تقتصر على حركة التجارة والاستيراد، بل تتجه بشكل واضح نحو شراكة أوسع تشمل التصنيع المحلي، وجذب الاستثمارات، وتبادل الخبرات، ونقل التكنولوجيا؛ وهو ما يبرز بصورة خاصة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس التي تحولت إلى منصة صناعية ولوجستية تستهدف تمكين الشركات الصينية من الوصول إلى الأسواق المصرية والأفريقية.
ويؤكد عماد الأزرق، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ورئيس مركز التحرير للدراسات والبحوث، أن حجم التبادل التجاري بين البلدين شهد اتساعًا خلال السنوات الأخيرة. فقد ارتفع إلى نحو 20.78 مليار دولار خلال عام 2025، مقارنة بنحو 17.37 مليار دولار في 2024، بما يعكس نموًا يقارب 19.6%. كما تبقى الصين أكبر شريك تجاري لمصر في مجال السلع غير البترولية، وهو مؤشر مهم على ترابط اقتصادي متنامٍ بين الجانبين.
وعند النظر إلى هيكل التجارة، يتضح اختلاف طبيعة الاقتصادين: إذ بلغت الصادرات المصرية للصين نحو 819 مليون دولار خلال 2025، مقابل واردات مصر من الصين التي اقتربت من 19.9 مليار دولار. وتُبرز هذه الفجوة الحاجة إلى العمل خلال الفترة المقبلة على توسيع الصادرات المصرية وتنويعها ورفع نسب القيمة المضافة في المنتجات المصدرة، بما يسهم في تقليص العجز التجاري وتحسين موازين التبادل.
من جهة أخرى، تشير المؤشرات إلى أن الصادرات المصرية تتنوع بين المنتجات الزراعية وبعض السلع المرتبطة بالطاقة والمواد الخام. فمن أبرز ما يتم تصديره إلى السوق الصينية الفواكه والبرتقال والموالح، إلى جانب منتجات طاقة ووقود، إضافة إلى الألياف الكتانية والغزول والمنسوجات القطنية. كما تشمل الصادرات المصرية الرخام والجرانيت والأحجار والفوسفات والأسمنت. ويُعطي ذلك انطباعًا بأن مصر تمتلك قاعدة تصديرية يمكن البناء عليها، بشرط إدخال خطوات أعمق للتصنيع وتحسين المواصفات والجودة وفق احتياجات السوق.
وتظهر تطورات النصف الأول من عام 2026 تحسنًا ملحوظًا في أداء الصادرات المصرية. فقد ارتفعت صادرات مصر إلى الصين بنسبة 199.8% لتصل إلى نحو 840.8 مليون دولار، مقابل 280.5 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق. وتشمل أبرز الصادرات في تلك الفترة الوقود والزيوت المعدنية ومنتجات التقطير بقيمة بلغت حوالي 494 مليون دولار، إضافة إلى الخضروات والفاكهة بنحو 150.6 مليون دولار، والقطن والألياف النسيجية النباتية بنحو 76.4 مليون دولار، إلى جانب الفوسفات والكيماويات. ويُعد هذا التنوع عاملًا مساعدًا لتوسيع الحضور المصري في الأسواق الصينية، لكنه يستدعي مزيدًا من التحويل إلى منتجات أكثر تصنيعًا وملاءمة لمعايير الصناعات النهائية.
وبالمقابل، تتمثل الواردات المصرية من الصين بشكل أساسي في الآلات والمعدات الكهربائية والميكانيكية والإلكترونيات ومكونات الإنتاج، إضافة إلى السيارات ووسائل النقل وقطع الغيار. كما تشمل الواردات الحديد والصلب والبلاستيك والكيماويات والمنسوجات. وفي النصف الأول من 2026، بلغت واردات مصر من الصين نحو 10.4 مليار دولار مقابل 9.1 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة قدرها 14.3%. كما بلغ إجمالي التبادل التجاري خلال الفترة نحو 11.3 مليار دولار مقابل 9.3 مليار دولار، وهو ما يوضح استمرار اتساع حجم المبادلات مع بقاء تحدي التوازن التجاري.
وتبقى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس محورًا رئيسيًا لتحول الشراكة من التجارة إلى الاستثمار والإنتاج. إذ يوضح الأزرق أن الأهم في العلاقات المصرية الصينية هو التوسع المتزايد في الاستثمار داخل مصر، لا سيما عبر المنطقة الاقتصادية التي توفر بيئة صناعية ولوجستية مناسبة أمام الشركات الصينية الراغبة في التوسع والوصول إلى الأسواق المصرية والأفريقية. ومن أبرز التجارب التي تُجسد هذا التعاون منطقة تيدا-مصر في العين السخنة، التي تستضيف أكثر من 140 شركة في مجالات صناعية ولوجستية وخدمية، باستثمارات تتجاوز 3.3 مليار دولار، وتوفر أكثر من 10 آلاف فرصة عمل وفق بيانات رسمية.
وتشير التقديرات إلى أن الاستثمارات الصينية تمثل نحو 50% من الاستثمارات التي جذبتها المنطقة الاقتصادية خلال السنوات الثلاث والنصف الأخيرة، والتي بلغت إجمالًا نحو 11.6 مليار دولار. كما تؤكد هذه النسبة الثقل المتزايد للشركات الصينية داخل المنطقة، واتساع قاعدة التوريد والإنتاج المرتبط بالطلب داخل السوق المصرية واحتياجات التصدير.
وفي السنوات الأخيرة، اتسعت نطاقات المشروعات الصينية داخل المنطقة لتتجاوز تركيزها على قطاع واحد، لتشمل صناعات متعددة مثل الأجهزة المنزلية، والنشا المعدل، والطاقة الشمسية، والإطارات، والمنسوجات والملابس الجاهزة. وخلال عام 2025 تم الإعلان عن مشروعات كبيرة من بينها مصنع سايلون للإطارات في العين السخنة باستثمارات تقارب مليار دولار، إضافة إلى مجمع متكامل لمكونات الطاقة الشمسية باستثمارات تبلغ 200 مليون دولار. كما رُصدت مشروعات في قطاعات النسيج والملابس الجاهزة.
وتُظهر كذلك بيانات ديسمبر 2025 توقيع ثلاثة عقود جديدة مع شركات صينية بقيمة إجمالية 1.15 مليار دولار في صناعات تشمل الألياف البوليستر والإطارات والمنتجات الصحية، ما يعكس استمرار الزخم الاستثماري وتعاظم فرص توطين سلسلة القيمة داخل مصر.
ومن منظور اقتصادي أوسع، لا تقتصر أهمية هذه الاستثمارات على ضخ رؤوس الأموال أو توفير وظائف مباشرة فقط، بل تمتد إلى نقل الخبرات وبناء قدرات التصنيع المحلي وتعميق التكامل مع سلاسل توريد متخصصة. كما يمكن أن تساعد هذه الاستثمارات في تحويل مصر إلى قاعدة إنتاج وتصدير للشركات الصينية إلى الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية، مستفيدة من موقع قناة السويس وما يرتبط به من ميزة لوجستية.
وبحسب الطرح ذاته، فإن التحدي الأبرز يبقى في كيفية زيادة الصادرات المصرية إلى الصين بصورة أكثر فاعلية وبقيمة مضافة أعلى. ومن شأن تعميق المكون المحلي وربط الشركات العاملة داخل مصر بخطوط توريد مشتركة، بجانب الاستفادة من خبرات الجانب الصيني في مجالات التصنيع والتصدير، أن يحول العلاقة من مجرد تبادل تجاري يعتمد على الاستيراد إلى شراكة إنتاجية واستثمارية أكثر تكاملًا.
وفي المحصلة، تشير المؤشرات المتاحة إلى أن مصر والصين أمام مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي؛ مرحلة تتطلب مواكبة أسرع لاحتياجات السوق، ورفع تنافسية المنتجات المصرية، وتطوير الصناعات القائمة على التصدير، بما يعظم المكاسب المتبادلة ويزيد من فرص الاستدامة في الشراكة خلال السنوات المقبلة.

التعليقات