التخطي إلى المحتوى

يشدد الدكتور محمد سعد، أستاذ الديكور، على أن التطوير والتجميل لا يجب أن يعنيان بالضرورة التخلي عن هوية المكان أو طمس ملامحه الأصلية. فالمطلوب هو تحقيق توازن حقيقي بين أساليب التصميم الحديثة وبين الحفاظ على السمات التي تمنح المكان شخصيته وتميزه، بحيث يبقى التطوير إضافة لا استبدالًا.

ويُفرّق سعد بين نوعين من التغييرات: النوع الأول هو “تطوير المكان” عبر إعادة تقديمه بصورة عصرية مع احترام عناصره الأساسية، أما النوع الثاني فهو إجراء تغييرات جذرية تفقده هويته وتبدّل ملامحه بما يجعل القائمون على العمل يخسرون التفاصيل التي تعكس تاريخ المكان وثقافته.

ويؤكد أن التجميل يصبح مشكلة حين يتحول من عملية مدروسة تضيف عناصر تعزز روح المكان إلى تغيير كامل في شكله يقطع صلته بجذوره. عندها لا يعود الزائر أو المستخدم قادرًا على تمييز المكان كامتداد لهويته الأصلية، بل يتحول إلى نسخة جديدة لا تحمل ملامحه المألوفة.

ومن منظور التصميم، فإن التطوير الحقيقي لا يقتصر على الجانب الجمالي، بل يمتد ليصبح أكثر فائدة ووظيفية، مثل تحسين الإضاءة وتوزيع الفراغات بما يلائم الاستخدام اليومي، وتطوير مواد التشطيبات أو حلول التخزين والتهوية—كل ذلك مع الاحتفاظ بما يعبّر عن تاريخ المكان. فالتجميل الناجح هو الذي يرفع كفاءة المكان ويزيد جاذبيته دون أن يغيّر “جوهره”.

الحداثة، بحسب سعد، لا تتعارض تلقائيًا مع الحفاظ على الهوية؛ إذ يمكن الاستفادة من التصميمات الحديثة وتقنيات الإضاءة والألوان المعاصرة بشكل يتكامل مع الطابع الأصلي. والمصمم الناجح هو من يجمع بين التطور والخصوصية البصرية للمكان، فلا تَذهب الهوية بمجرد تغيير لون أو استبدال خامة.

ويوضح أن الهوية ليست مجرد ألوان أو أشكال قابلة للاستبدال بسهولة، بل هي منظومة من التفاصيل والعناصر: نمط الواجهات، تقسيم الفراغات، نوع الخامات، الإيقاع البصري للزخارف أو النوافذ، وحتى مفردات المكان التي ارتبطت بذاكرة الناس. هذه العناصر تمنح المكان “بصمته”، وتجعل تجربته مختلفة عن أي مكان آخر.

وللتأكد من أن التطوير يخدم الهوية وليس ضدها، يطرح أستاذ الديكور سؤالًا محوريًا: هل التغيير أضاف للمكان أم ألغى شخصيته؟ فإذا أدّى التعديل إلى فقدان الملامح الأصلية والسمات التي تعلقت بها هوية المكان لدى المجتمع، يصبح التجميل تجاوز هدفه وتحول إلى تشويه.

كما يرى سعد أن الحفاظ على الهوية مسؤولية مشتركة، لكن يقع جزء كبير منها على عاتق المصمم خصوصًا عند التعامل مع الأماكن ذات القيمة التاريخية والثقافية. لذلك ينبغي أن يكون التطوير مدروسًا، مبنيًا على فهم طبيعة المكان وتاريخه، مع مراعاة أن مواكبة العصر لا تعني محو الروح. الأفضل أن يخرج المكان بصورة عصرية دون أن يتخلى عن عناصره التي تضمن للمتلقي القدرة على التعرف عليه والتمييزه من النظرة الأولى.

ولتقوية هذا التوازن، ينصح الخبراء عادةً بالبدء بتحديد “الخطوط الحاكمة” لهوية المكان: ما الذي يجب ألا يتغير؟ ثم اختيار الإضافات التي تخدم الاستخدام دون قطع التواصل البصري مع الماضي، مثل ترميم العناصر الأصلية أولًا، واستخدام خامات متوافقة من حيث اللون والقوام، وتوظيف إضاءة حديثة تُبرز التفاصيل التراثية بدلًا من طمسها. وبذلك تتحقق عملية تجميل تعزز قيمة المكان وتُظهر جماله بوعي واحترام.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *