تأتي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر في وقت تتسارع فيه ملامح تعاون أوسع بين البلدين في مجال التكنولوجيا، بما يشمل انتقال الشراكات من مجرد توريد الأجهزة إلى التصنيع المحلي، بالتوازي مع توسيع الاستثمارات في الاتصالات والبنية التحتية الرقمية والحوسبة السحابية والحلول الذكية. وتنعكس هذه التوجهات كذلك على زيادة حضور الشركات الصينية في السوق المصرية، بالتزامن مع توجه القاهرة إلى تعميق التصنيع المحلي ورفع القدرات التكنولوجية وتوسيع القاعدة الإنتاجية.
وفي مقدمة القطاعات التي تشهد توسعًا لافتًا، يأتي تصنيع الهواتف المحمولة. وتشير معطيات القطاع إلى أن السوق المصرية تضم حاليًا قرابة 15 علامة تجارية تقوم بتصنيع الهواتف وملحقاتها محليًا، وغالبية هذه العلامات ذات صلة بمصدر صيني، إلى جانب علامات عالمية أخرى. وقد بلغ حجم الإنتاج المحلي خلال عام 2025 نحو 10 ملايين جهاز، مع خطط لرفع الإنتاج إلى ما يزيد على 15 مليون جهاز بنهاية 2026. كما تُقدَّر الاستثمارات في قطاع تصنيع الهواتف بنحو 200 مليون دولار، بينما تصل الطاقة الإنتاجية القصوى للمصانع إلى قرابة 20 مليون وحدة سنويًا.
وتشمل أبرز العلامات الصينية التي تُصنّع هواتفها في مصر شركات مثل شاومي وأوبو وفيفو وريلمي وهونر وإنفنيكس وتكنو و iTel وغيرها. ويمثل هذا الحضور نموذجًا لتطور العلاقة الاقتصادية؛ إذ لم يقتصر الأمر على بيع الأجهزة داخل السوق، بل شهد انتقالًا متزايدًا إلى الإنتاج داخل مصر. ومن الأمثلة على ذلك توسع شركات مثل فيفو وأوبو في التصنيع المحلي، إلى جانب تصنيع هواتف ريلمي عبر خطوط إنتاج داخل مصنع أوبو، بما يعكس اتساقًا مع أهداف نقل التكنولوجيا ورفع المحتوى المحلي.
وتنصب أهداف التوسع على رفع القيمة المضافة المحلية إلى أكثر من 40% خلال السنوات المقبلة. ويتم ذلك عبر تعزيز التصنيع ليس فقط لتجميع الأجهزة، بل أيضًا لتوسيع سلاسل الإمداد المرتبطة بها. وفي هذا الإطار، تدرس شركات صينية متخصصة في مكونات الهواتف المحمولة دخول السوق المصرية، وهو ما قد يفتح مرحلة جديدة من توطين الصناعة على نحو أعمق، عبر إنتاج المزيد من المكونات محليًا تدريجيًا بدلًا من الاعتماد على الاستيراد.
وتتوازى هذه التطورات مع جهود أوسع لزيادة صادرات الهواتف المصنعة محليًا إلى الأسواق الخارجية، بما يمنح المصانع المحلية فرصة أفضل للاستفادة من وفورات الحجم وتحسين تنافسية المنتج. كما يوفر نمو الإنتاج قاعدة أوسع لنشاط الشركات العاملة في قطاع الإلكترونيات، خصوصًا مع ارتفاع أحجام الإنتاج خلال الفترة الأخيرة من حوالي 3.2 مليون جهاز في 2024 إلى 10 ملايين جهاز في 2025، واستهداف تجاوز 15 مليون جهاز خلال 2026. ويُسهم هذا المسار أيضًا في دعم فرص العمل؛ إذ وفّر القطاع نحو 10 آلاف وظيفة مباشرة بحسب بيانات وزارة الاتصالات.
لكن أثر التعاون لا يقتصر على الهواتف، إذ يمتد إلى البنية التحتية الرقمية والاتصالات والحوسبة السحابية والتقنيات المتقدمة المرتبطة بتوسيع الخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي. وفي مايو 2026، بحث وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات رأفت هندي مع مسؤولي شركة هواوي سبل تعزيز التعاون في مجالات الاتصالات والتكنولوجيات المتقدمة والحوسبة السحابية وبناء القدرات الرقمية. وناقش اللقاء كذلك فرص تنفيذ مشروعات لتطوير الحلول الرقمية ودعم التحول نحو الحوسبة السحابية، بما يخدم احتياجات السوق المتنامية من خدمات الاتصالات والبيانات.
كما تناولت المباحثات برامج بناء القدرات الرقمية التي تنفذها هواوي بالتعاون مع معهد تكنولوجيا المعلومات والمعهد القومي للاتصالات، بهدف تأهيل الشباب في تخصصات تكنولوجية متعددة. ويأتي ذلك في وقت تتوسع فيه مصر في تطوير البنية التحتية الرقمية، بما يشمل شبكات الاتصالات ومراكز البيانات والحوسبة السحابية، مع تزايد الطلب على القدرات الحاسوبية المطلوبة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية.
ومن المتوقع أن يعزز هذا المسار قدرة مصر على تقليل الاعتماد على استيراد الأجهزة الجاهزة، وزيادة المكون المحلي في صناعة الإلكترونيات، وبناء منظومة إنتاج يمكنها تلبية الطلب المحلي والتوسع تدريجيًا في التصدير. وفي المقابل، ترى الشركات الصينية أن قطاعات الهواتف والإلكترونيات والحلول الرقمية تمثل مجالات توسع تجمع بين الاستثمار والإنتاج ونقل التكنولوجيا، خاصة مع احتدام المنافسة الدولية حول أسواق الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.
وبذلك، لا يبدو أن مسار التعاون المصري-الصيني سيظل محصورًا في توريد المعدات، بل يتجه بشكل أكبر نحو التصنيع المحلي وتطوير البنية التحتية الرقمية وتوسيع خدمات الحوسبة السحابية وبناء الكوادر البشرية، بما يجعل التكنولوجيا أحد محركات التعاون الرئيسية خلال المرحلة المقبلة بين البلدين.

التعليقات