تؤكد التحليلات التي قدمها الدكتور رامي عاشور، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة، أن العلاقات بين مصر والصين تمثل نموذجًا متقدمًا للشراكة الاستراتيجية الممتدة لأكثر من سبعة عقود، حيث تتصاعد وتتنوع أبعادها في الاقتصاد والتكنولوجيا والتنسيق السياسي على نحو يعكس تطورًا مستمرًا بدلًا من كونه تعاونًا محدودًا أو موسميًا. ويشير عاشور إلى أن هذه العلاقة بدأت بجذور تاريخية عززتها مواقف سياسية داعمة، لافتًا إلى أن مصر من أوائل الدول التي اعترفت بجمهورية الصين الشعبية، ما أسهم في ترسيخ الثقة المتبادلة وفتح قنوات للتعاون طويلة الأمد.
وتبرز مرحلة ما بعد 2014 كنقطة تحول مهمة، إذ ارتقت العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، وهو ما انعكس بشكل ملموس على طبيعة التعاون بين البلدين. فقد اتسعت مجالات العمل المشترك لتشمل تنفيذ مشروعات مرتبطة بالاحتياجات التنموية في مصر، مع التركيز على تطوير البنية التحتية ودعم المشاريع القومية، بما يضمن استدامة الفائدة الاقتصادية ورفع كفاءة تنفيذ المبادرات التنموية. كما تسهم الشراكة في تعزيز قدرات التصنيع ونقل الخبرات، إلى جانب دعم منظومات مرتبطة بالطاقة والنقل والاتصالات.
ومن زاوية استراتيجية، يوضح عاشور أن الموقع الجغرافي لمصر يمنحها قيمة عالية باعتبارها حلقة محورية ضمن مسارات التجارة العالمية، وهو ما يجعلها شريكًا طبيعيًا في مبادرات إقليمية ودولية مثل «الحزام والطريق». وتأتي أهمية مصر هنا خصوصًا في مجالات الطاقة واللوجستيات، وكذلك في التوجهات المرتبطة بالتكنولوجيا الرقمية التي تُعد محورًا متزايد الأهمية في الاقتصاد الحديث. ووفق هذا المنظور، لا تقتصر الشراكة على الجانب الاستثماري فقط، بل تمتد إلى التعاون في مجالات التحول الرقمي والبنية التكنولوجية وخطط رفع كفاءة سلاسل الإمداد بما يخدم التجارة الإقليمية والدولية.
وعلى صعيد القضايا الإقليمية والدولية، يؤكد أستاذ العلاقات الدولية وجود توافق واسع بين القاهرة وبكين حول دعم الاستقرار ومواجهة الأزمات عبر آليات تعزز القانون الدولي وتدفع نحو حلول سياسية. وتشمل أبرز الملفات المشتركة القضية الفلسطينية، والأزمة الإيرانية، وأمن الخليج والملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب التنسيق بشأن أزمات السودان وليبيا. ويرى عاشور أن هذا التقارب في الرؤى يساعد على تنسيق المواقف داخل الأطر الدولية، ويقلل من احتمالات التصعيد عبر دعم مسارات الحوار.
ولزيادة عمق التعاون، يتجه الطرفان أيضًا إلى تعزيز التفاعل في مجالات التعليم وتبادل الخبرات الفنية والابتكار، بما يدعم بناء شراكات مؤسسية تتجاوز المشاريع الفردية. كما يُنظر إلى زيادة حجم التعاون في مجالات التمويل والمشروعات ذات الأثر المباشر على الاقتصاد المحلي بوصفها عنصرًا مهمًا في استدامة العلاقة وتعظيم مردودها على المدى المتوسط والبعيد.
وبناءً على هذه الصورة الشاملة، يمكن القول إن العلاقات المصرية-الصينية تطورت من تعاون قائم على المصالح إلى شراكة استراتيجية متكاملة تمس قطاعات حيوية، وتجمع بين بعد اقتصادي متنامٍ وبُعد سياسي يوازن بين المصالح المشتركة والرؤية نحو الاستقرار الإقليمي والدولي.

التعليقات