يُعد الاتفاق النفطي الأخير الذي أُعلن عنه بين الولايات المتحدة وفنزويلا خطوة استراتيجية واسعة الأثر، إذ وُصف إعلاميًا وسياسيًا بأنه من أكبر صفقات الطاقة عالميًا، خصوصًا لما يتيحه لواشنطن من نفوذ تشغيلي على نطاق كبير يرتبط بالسيطرة على جزء معتبر من احتياطيات النفط الفنزويلية. ووفقًا لما ورد في سياق الإعلان عن الصفقة، فإنها تمنح واشنطن نفاذًا أكبر إلى مصادر طاقة ذات وزن ثقيل، مع الإشارة إلى أن الاحتياطيات المعنية تتجاوز 65 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة.
وفي تعليقه على هذا التطور، ربط الإعلامي نشأت الديهي بين الاتفاق النفطي وبين تفسيره لسلوك الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط. وقال الديهي إن هذا النوع من التحركات يساعده على فهم الدوافع الأمريكية في المنطقة، معتبرًا أن هدف واشنطن لا يقتصر على الجانب التجاري أو الاقتصادي، بل يتصل مباشرة بتأمين الطاقة وتعظيم القدرة على التأثير والنفوذ.
وأضاف الديهي أن المشهد لا يمكن قراءته بمعزل عن التنافس الدولي، مشيرًا إلى “التنافس المرير” بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ العالمي، باعتبار أن كلًا من القوتين تسعى إلى ضمان مصادر الطاقة وتحقيق مصالحها الاستراتيجية على المدى الطويل. وأكد أن الصراع على الطاقة غالبًا ما ينعكس على سياسات القوى الكبرى في مناطق حساسة، مثل الشرق الأوسط، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الأبعاد الجيوسياسية.
وبحسب ما يرد في تفاصيل الاتفاق، فإن الولايات المتحدة وفنزويلا أبرمتا اتفاقًا تاريخيًا تمتد عقوده الاستثمارية والتشغيلية لفترة استثنائية تصل إلى 100 عام، بما يعكس رغبة الطرفين في بناء ترتيبات طويلة النفس بدل الاكتفاء بمشاريع قصيرة الأمد. وتشير المعلومات المتاحة إلى أن الاتفاق ينص على تأسيس شركة مشتركة تكون الحكومة الأمريكية المالك الأكبر لها، مع تولي وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) الإشراف على تراخيص حقول النفط، إضافة إلى مراقبة ضمانات الإنتاج.
كما يفهم من بنود الاتفاق أن واشنطن ستحصل على نفوذ يتجاوز مجرد شراء النفط الخام، ليشمل إدارة وتشغيلًا على أرض الواقع بما يمكّنها من الاستفادة من جزء من ربع احتياطيات فنزويلا النفطية غير المستغلة. ويرتبط ذلك بخطط لإعادة تأهيل البنية التحتية التي تعرضت للتدهور، فضلًا عن تطوير الحقول الرئيسية لرفع كفاءة الإنتاج وزيادة القدرة على ضخ النفط بصورة أكثر استقرارًا.
وتتضمن الشروط حصول الحكومة الأمريكية على النفط المنتج “بسعر التكلفة”، في إطار من شأنه أن يخدم هدف تعزيز الاحتياطي الاستراتيجي المحلي وتحقيق قدر أكبر من المرونة في مواجهة تقلبات السوق. وإضافة إلى ذلك، قُدم جانب الاستثمارات الخاصة كجزء محوري من الاتفاق، حيث ترد إشارة إلى أن حجم الاستثمارات قد يقارب 100 مليار دولار، وهو ما يفتح الباب لتوسيع نطاق المشاريع، من تطوير الحقول إلى تحديث شبكات النقل والتخزين وتحسين منظومة الإنتاج.
ولتعزيز الصورة الكاملة، يمكن القول إن هذا النوع من الصفقات لا يرتبط فقط بتأمين النفط، بل يمتد إلى بناء نفوذ سياسي واقتصادي طويل الأمد. فالسيطرة على عناصر الإنتاج والتشغيل، إلى جانب الإشراف على التراخيص وضمانات الإنتاج، تجعل الولايات المتحدة قادرة على التأثير في قرارات قطاع الطاقة في فنزويلا، وفي الوقت نفسه دعم خططها في ملف المنافسة الدولية، خاصة مع سعي الصين المستمر إلى توسيع حضورها في أسواق الطاقة العالمية.
وبذلك، تتحول “صفقة النفط” من مجرد اتفاق تجاري إلى عنصر ضمن صراع أوسع على ممرات الطاقة والقدرة على التأثير في الاستقرار الاقتصادي والسياسي، وهو ما يفسر – وفق طرح نشأت الديهي – لماذا تتخذ واشنطن تحركاتها في ملفات مختلفة بالتوازي مع سعيها لتأمين مصادر الطاقة، وفي ضوء منافسة القوى الكبرى على النفوذ العالمي.

التعليقات