التخطي إلى المحتوى

تستضيف أنقرة قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في توقيت تتزايد فيه الضغوط الأمنية والسياسية داخل الحلف وعلى محيطه الإقليمي، وسط خلافات متنامية بين دوله حول أولويات الدفاع وتقاسم الأعباء، وملفات إقليمية ودولية تتقاطع فيها المصالح. وتأتي القمة في ظل تحولات دولية سريعة تضع الحلف أمام اختبار عملي لقدرتِه على إعادة ترتيب أولوياته وتنسيق مواقفه، سواء عبر آليات القرار المشتركة أو عبر إدارة التباينات مع الشركاء.

وتكتسب قمة أنقرة أهمية إضافية لأنها تنعقد في مرحلة يمزج فيها الناتو بين محاولات احتواء الأزمات المتعددة وبين معالجة تشققات داخلية؛ فالأزمات التي يواجهها الحلف ليست محصورة في ساحات الصراع الخارجية فقط، بل تمتد إلى داخل البنية السياسية والاستراتيجية للحلف نفسه. وفي هذا السياق، وُصفت القمة بأنها “قمة تخفيف الأزمات”، لوجود أزمات حقيقية تعصف بالحلف، إلى جانب إشكاليات بين الولايات المتحدة وأوروبا، وكذلك بين أوروبا وتركيا، فضلًا عن تحديات يراها الحلف قادمة من خصومه أو من بيئات أمنية متحركة باستمرار.

وتشير القراءة السياسية للمشاركين إلى أن النقاشات داخل القمة قد تميل إلى توحيد المواقف وتنسيق الجهود قبل أن تتوسع بصورة كبيرة في الملفات الخارجية، وذلك لأن “البيت الداخلي” للناتو بات أكثر تعقيدًا. فالتباينات تظهر في أكثر من اتجاه: اقتصاديًا، وأمنيًا وعسكريًا، وكذلك في الرؤية الاستراتيجية للحلف للفترة المقبلة، بما في ذلك شكل الردود على التهديدات وتحديد الموارد اللازمة لها.

## الولايات المتحدة بين الضغط وإعادة توزيع الأدوار

يرى مدير مؤسسة الجيوستراتيجي للدراسات إبراهيم كابان أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب – في حال استمر نهجه أو عاد حضوره بقوة في ملفات الحلف – تسعى إلى جعل الناتو أقرب إلى أداة تخدم المصالح الأمريكية في أوروبا، وليس مجرد منصة للتنسيق المتوازن بين الجميع. غير أن تحقيق هذا الهدف لم ينجح بالكامل حتى الآن، الأمر الذي قد يدفع واشنطن إلى تجديد المساعي للتركيز على هذا الملف مجددًا، مع الدفع باتجاه زيادة الأعباء الملقاة على الاتحاد الأوروبي.

وفي تصور المقاربة الأمريكية، قد تحاول واشنطن نقل جزء من مسؤولية دعم بعض الملفات—خصوصًا المتعلقة بأوكرانيا—إلى أوروبا، عبر مطالبة الأوروبيين بتحمل أوسع للمصاريف والجاهزية العسكرية والدعم السياسي. ويُفهم هذا المسار كذلك على أنه محاولة لخلق توازن جديد في العلاقات عبر جعل أوروبا أكثر التزامًا، بدلًا من أن تظل الولايات المتحدة هي الداعم الأول في كل مواجهة.

## أوروبا وتركيا: بين المصالح المشتركة وملفات التباين

توضح المعطيات المتداخلة أن القمة قد تُستخدم أيضًا كمنصة لمعالجة الخلافات بين أوروبا وتركيا. فتركيا عضو مؤثر داخل الحلف، لكنها ليست دائمًا على خط واحد مع بعض العواصم الأوروبية في ملفات عديدة، سواء من زاوية القضايا الأمنية أو خيارات التسلح أو طريقة التعاطي مع أزمات إقليمية. ومن هنا، قد تسعى القمة إلى تقليل فجوة التباينات عبر تفاهمات عملية، حتى لو لم تتحول إلى “انسجام كامل” بين جميع الأطراف.

كما أن واشنطن قد توازن بين مساعيها لضمان تعاون أوروبي أكبر، وبين الحاجة للحفاظ على علاقة متماسكة مع أنقرة باعتبار تركيا عنصرًا لوجستيًا وجغرافيًا مهمًا في نظام أمن الناتو. ومع ذلك، يبقى احتمال استمرار التوترات واردًا إذا رأت بعض الدول أن مطالب إعادة توزيع الأعباء تمسّ الالتزامات الأوروبية أو تعيق مسارات التعاون.

## “هدية خاصة” لتركيا: ملفات السلاح والتقنية في قلب الترقب

إلى جانب أجندة القمة متعددة المسارات، تبرز في أنقرة أهمية اللقاءات الثنائية بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فقد قُدِّمت الزيارة بوصفها ذات ثقل سياسي، مع انتظار تركي واسع لمعرفة طبيعة “الهدية” التي يُقال إن ترامب يحملها إلى تركيا وفق تصريحات سابقة.

وبحسب ما نقلته وسائل إعلام أمريكية، قد تتصل هذه “الهدية” بإعادة إدراج تركيا في برنامج المقاتلات الأمريكية المتطورة من طراز F-35، بعد استبعاد تركيا من البرنامج عقب شراء أنقرة منظومة الدفاع الروسية S-400. ويأتي هذا الترجيح لأن ملف الطائرات المقاتلة لا يتعلق فقط بشراء عتاد، بل يرتبط كذلك بعقود صناعية وتقنيات صيانة وتدريب وسلاسل إمداد وتوافق مع منظومات التحالف.

ومن المتوقع أيضًا أن تُعلن واشنطن—وفق السيناريوهات المتداولة—تقديم تسهيلات تتعلق بالمحركات اللازمة للمقاتلة التركية “قان”، إذ تشير التقارير إلى أن حصول تركيا على المحركات الأمريكية يعد عنصرًا حاسمًا لاستكمال تصنيع هذه المقاتلة النفاثة المتطورة من الجيل الخامس. وتُعد هذه الخطوة، إن تحققت، مؤشرًا على أن القمة في أنقرة ليست مجرد نقاش سياسي داخلي للناتو، بل منصة لفتح مسارات تعاون عسكري-تقني يمكن أن تعيد رسم علاقة تركيا بواشنطن على المدى القريب.

## العشاء الجامع وحسابات ما بعد القمة

بعد القمة الثنائية، ومن ثم قمة الناتو، من المتوقع أن يقيم الرئيس التركي مأدبة عشاء لكافة رؤساء الدول ورؤساء الحكومات المشاركين في القمة. وعمليًا، تُعد مثل هذه الترتيبات جزءًا من هندسة العلاقات الدبلوماسية، حيث يُتوقع أن تستكمل على هامشها لقاءات جانبية بين قيادات الحلف لبحث نقاط خلاف محددة، وترتيب مساحات التفاهم قبل إصدار المخرجات النهائية.

## ما الذي قد تحمله “مرحلة ما بعد أنقرة”؟

إذا نجحت القمة في تحويل “تخفيف الأزمات” إلى نتائج ملموسة، فقد نشهد خطوات نحو تعزيز آليات التنسيق داخل الحلف، وتقريب وجهات النظر حول تقاسم الأعباء، وترتيب مستويات الدعم في الملفات الأكثر حساسية. لكن نجاح القمة يبقى مرهونًا بعدة عوامل: مدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات واقعية، قدرتها على ربط المطالب السياسية بمسارات تنفيذية، وكذلك قدرتها على صياغة خطاب استراتيجي موحد يحد من اتساع الفجوة بين الولايات المتحدة وأوروبا من جهة، وبين أوروبا وتركيا من جهة أخرى.

وفي ظل هذا التعقيد، تظل أنقرة نقطة تجمع لعدة خطوط: خط داخلي يتعلق بترتيب البيت الاستراتيجي للناتو، وخط ثنائي يتعلق بالعلاقة الأمريكية-التركية وما يرتبط به من ملفات تقنية وعسكرية، وخط أوسع يتصل بمحاولة الحلف رسم ملامح مرحلة مقبلة أكثر قدرة على مواجهة تحديات متسارعة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *