تتجه أنظار علماء الفلك حول العالم إلى إطلاق تلسكوب «نانسي جريس رومان» التابع لوكالة ناسا، في مهمة تعد بتوسيع فهمنا للكون وفتح آفاق جديدة للبحث عن كواكب خارج المجموعة الشمسية. ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذا المشروع الطموح العالم المصري الدكتور أحمد سليمان، الذي يعمل ضمن مختبر الدفع النفاث التابع لناسا ومعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (JPL-Caltech)، وكان له دور محوري ضمن فريق تطوير واختبار «Roman Coronagraph Instrument»—وهو أحد أكثر مكونات التلسكوب إثارة لما يمثله من خطوة عملية نحو تصوير الكواكب حول نجوم بعيدة.
يركز تلسكوب «رومان» على مجموعة واسعة من الأهداف، أبرزها دراسة طبيعة المادة والطاقة المظلمتين، ورسم صورة أدق لتطور المجرات، إضافة إلى مسح مساحات ضخمة من السماء بحثًا عن كواكب خارجية. وسيُطلق التلسكوب على صاروخ «فالكون هيفي» من مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا، بهدف التشغيل في مدارات تسمح بالتقاط بيانات هائلة. ومن أهم ميزات «رومان» أنه يمتلك مجال رؤية واسع جدًا—أكبر بنحو 100 مرة من مجال الرؤية الخاص بأداة الأشعة تحت الحمراء في تلسكوب هابل—ما يتيح له مسح مناطق واسعة بسرعة وجمع معلومات تفصيلية تساعد العلماء على بناء نماذج متقدمة لأصول الكون وتكوينه.
لكن الجزء الذي يشعل اهتمام الباحثين بعالم الكواكب هو جهاز «الكوروناجراف» Roman Coronagraph. فالتحدي الأساسي في تصوير كوكب يدور حول نجم آخر هو فارق السطوع الهائل: النجم أكثر لمعانًا من الكوكب بملايين المرات، وبالتالي فإن ضوء النجم يطغى على الضوء الخافت المنعكس من الكوكب. هنا يأتي دور الكوروناجراف، إذ يعتمد على حجب ضوء النجم وتقليل الوهج المحيط به عبر منظومة بصرية دقيقة تتضمن أقنعة ومرايا ومكونات تعمل ضمن تصميم مخصص لعزل إشارة الكوكب عن بريق النجم.
ومن أبرز ما يميز هذا النظام أنه صُمم ليكون قادرًا على رصد كواكب يكون ضوءها مخافتًا بدرجة قد تصل إلى نحو 100 مليون مرة مقارنة بنجومها، وهو أداء يعد أفضل بكثير من بعض تقنيات الكوروناجراف المستخدمة سابقًا. والأهم من ذلك أن الجهاز لا يكتفي بحجب الضوء بشكل ثابت؛ بل يستخدم مرايا قابلة للتشوه يمكنها تعديل شكلها أثناء التشغيل بدقة عالية لمعالجة العيوب البصرية الدقيقة التي قد تسمح بتسرب ضوء النجم إلى مجال الرؤية. وتصف ناسا هذا النظام بأنه «كوروناجراف نشط»، وهو ما يعني أنه قادر على تحسين أدائه باستمرار في الفضاء بدل الاعتماد على حجب ثابت فقط.
ضمن هذا السياق، شارك الدكتور أحمد سليمان ضمن فريق مختبر الدفع النفاث في العمل على كاميرا الكوروناجراف. كما حصل تقديرًا لمساهمته على جوائز من مختبر الدفع النفاث، منها NASA/JPL Team Achievement and Excellence Award، تقديرًا لنجاح الاختبارات الوظيفية للجهاز، إضافة إلى جائزة أخرى عن المساهمة في اختبار الكوروناجراف في ظروف الفراغ والحرارة ثم تسليمه إلى مركز جودارد التابع لناسا لدمجه ضمن منصة أدوات تلسكوب رومان.
وعلى الرغم من أن «رومان» لا يهدف حاليًا إلى تصوير نسخة مطابقة للأرض والبحث المباشر عن حياة خارج كوكبنا، فإن دوره العلمي يتجاوز حدود التصوير الأولي. فنجاح هذا النوع من الكوروناجرافات يمثل خطوة تقنية وتمهيدًا لما هو أكبر لاحقًا: جيل من المراصد القادرة على دراسة كواكب أكثر قربًا من خصائص الأرض. ويُظهر ذلك بوضوح ما أورده سليمان في مقال علمي نشرته «The California Tech» التابعة لمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، حيث شرح أن الكواكب الشبيهة بالأرض تكون أخفت من نجومها بنحو 10 مليارات مرة تقريبًا، ما يجعل رصدها مباشرة مهمة شديدة الصعوبة تقنيًا.
وبحسب ما تشير إليه قدرة الجهاز، يستطيع «رومان» الوصول إلى مستويات تباين عالية نسبيًا تسمح برصد كواكب عملاقة شبيهة بالمشتري ودراسة تفاصيل في خصائص أجوائها، لكنه لا يصل بعد إلى مستوى التباين المطلوب لرصد كوكب شبيه بالأرض حول نجم قريب الشبه بالشمس. ومع ذلك، يعد المشروع بمثابة «اختبار تكنولوجي» متقدم يختبر أنظمة الحجب النشطة ويكشف حدود الأداء ويزود فرق البحث بخبرات عملية ستنعكس مباشرة على مهام مستقبلية أكثر طموحًا، مثل «Habitable Worlds Observatory»، التي تستهدف البحث عن عوالم شبيهة بالأرض وتحليل أجوائها بحثًا عن مؤشرات محتملة للحياة.
ومع ارتباط اسم الدكتور أحمد سليمان بتلسكوب رومان، تمتد مسيرته العلمية لتشمل تطوير أدوات وتجارب رصد دقيقة في مجالات مختلفة من فيزياء الفضاء. فقد حصل على بكالوريوس في هندسة الإلكترونيات والاتصالات من كلية الهندسة بشبرا بجامعة بنها عام 2009، ثم ماجستير في الهندسة الكهربائية من جامعة عين شمس عام 2014. وبعدها انتقل إلى معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا حيث واصل دراساته حتى حصل على الماجستير ثم الدكتوراه في الهندسة والعلوم التطبيقية. كما شارك في تجارب لرصد إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، إلى جانب دوره في تطوير تجارب «BICEP Array» في القطب الجنوبي، والتي تركز على قياس إشارات فائقة الدقة تعطي فهمًا أعمق لبدايات الكون وآثار موجات الجاذبية البدائية المرتبطة بالتضخم الكوني.
ولا يتوقف تأثير هذه الخبرة عند رومان؛ بل يواصل سليمان العمل على أفكار وتقنيات جديدة لتعزيز فرص العثور على كواكب شبيهة بالأرض. ومن تلك الأفكار ما يرتبط بمقاربة «المراصد الهجينة» التي تجمع بين تلسكوبات على الأرض وأجهزة حجب للضوء في الفضاء، بهدف رفع القدرة الرصدية والوصول إلى تحليل أجواء مئات العوالم المحتملة. وقد اختير ضمن مشروع «Hybrid Space-Ground Observatories» الذي يشارك فيه داخل برامج «Keck Institute for Space Studies» في كالتيك، وهو توجه يسعى إلى تطوير طرق رصد جديدة أكثر كفاءة لتحقيق أهداف البحث عن عوالم قابلة للسكن.
في النهاية، لا يمثل تلسكوب «نانسي جريس رومان» إجابة فورية عن السؤال الأكبر: هل نحن وحدنا؟ لكنه—بفضل ما يختبره من تقنيات حجب الضوء وإتاحة تصوير كواكب أكثر خفوتًا—يقدم خطوة عملية مهمة على طريق اكتشاف «الأرض الثانية». ومع كل جهاز تُجرى له اختبارات في مختبرات ناسا، ومع كل كاميرا كوروناجراف تُدمج وتُحسن، يصبح حلم قياس علامات الحياة في عوالم بعيدة أقرب من مجرد فكرة نظرية، ليصبح برنامجًا علميًا قابلًا للتحقيق عبر مهام قادمة.

التعليقات