التخطي إلى المحتوى

شهدت الصناعة المصرية خلال الفترة من 2014 وحتى 2026 تحولا واضحا من مرحلة التركيز على توسيع القاعدة الصناعية إلى بناء منظومة متكاملة تشمل الأرض والتراخيص والدعم الفني والجودة والتدريب والتصدير، بما ساهم في رفع مساهمة الصناعة في الاقتصاد وتعزيز القدرة على تلبية احتياجات السوق المحلية وزيادة فرص التصدير.

وتأتي المؤشرات في مقدمتها تحسن أداء الصناعات التحويلية غير البترولية؛ إذ ارتفع معدل نمو القطاع إلى 7.1% خلال الربع الأول من العام المالي 2024/2025 مقابل 1.2% في الربع المقابل من العام المالي 2013/2014، كما ارتفعت الصادرات الصناعية من 18.7 مليار دولار في 2013/2014 إلى 39.6 مليار دولار في 2024/2025، بنسبة نمو بلغت 111.8%.

على مستوى الاستثمارات، شهدت الصناعات التحويلية غير البترولية قفزة في الاستثمارات العامة المنفذة بنسبة 205.8% لتصل إلى 15.9 مليار جنيه في 2023/2024 مقابل 5.2 مليار جنيه في 2013/2014، وهو ما انعكس على توسع الطاقة الإنتاجية وتحسن جاهزية البنية التحتية للصناعة.

**خريطة صناعية أوسع: 157 منطقة و16 مجمعا بآلاف الوحدات**
توسع قطاع المناطق الصناعية خلال السنوات الماضية، حيث ارتفع عدد المناطق الصناعية من 121 منطقة في 2014 إلى 147 منطقة في 2024 بنسبة زيادة 21.5%، قبل أن يصل العدد وفق أحدث البيانات إلى 157 منطقة. وإلى جانب المناطق، جرى إنشاء 16 مجمعا صناعيا في 15 محافظة بإجمالي 4808 وحدات إنتاجية، تم تخصيص 3696 وحدة منها، بما يتيح مساحات جاهزة للإنتاج ويعزز انتشار النشاط الصناعي جغرافيا.

كما ترافقت هذه الخطوات مع تطوير مناطق قائمة ورفع كفاءة البنية الأساسية، إضافة إلى تنفيذ برامج تنمية محلية في محافظات الصعيد، وتطوير مدينة الجلود في الروبيكي، بما يخدم أنشطة صناعية ذات طابع تصديري وفرص تشغيل مرتفعة.

**طرح أراضٍ صناعية مرفقة بكميات كبيرة ومساحات متنوعة**
ظل ملف توفير الأراضى الصناعية من أبرز محاور جذب الاستثمار، إذ تم طرح 1272 قطعة أرض صناعية كاملة المرافق في 23 محافظة خلال 2026 بإجمالي مساحة تقارب 9.78 مليون متر مربع. شمل الطرح 35 منطقة صناعية بمساحات تراوحت بين 118 مترا مربعا و400 ألف متر مربع، بما يعكس اتجاها نحو زيادة المعروض الجاهز للمستثمرين وربطه بأنشطة صناعية مستهدفة.

وعلى مدار فترات الرصد، تم تخصيص أكثر من 23 مليون متر مربع من الأراضي الصناعية عبر منظومة الخريطة الاستثمارية ومنصة مصر الصناعية الرقمية، بما دعم آلاف المشروعات. ووفق البيانات، بلغت عمليات التخصيص 3152 قطعة أرض بإجمالي 8.2 مليون متر مربع لصالح 3104 مشروعات، كما تم تخصيص 2942 قطعة أرض بمساحة تجاوزت 14.8 مليون متر مربع لصالح 1758 مشروعا عبر لجنتي 2100 و2067. وبهذا يتجاوز إجمالي المساحات المعروضة ضمن هذه العمليات 23 مليون متر مربع، فيما تتجاوز المشاريع المستفيدة 4800 مشروع.

ومن بين التطورات المهمة إطلاق منصة مصر الصناعية الرقمية، عبر توفير قناة موحدة لطرح الأراضي الصناعية وإدارة خدمات وإجراءات ترتبط بالنشاط الصناعي، بهدف تقليل الوقت والجهد أمام المستثمرين وتسهيل الانتقال من مرحلة الحصول على الأرض إلى مرحلة التنفيذ.

كما شهد عام 2026 استمرار طرح الأراضي الصناعية المرفقة، إلى جانب تعديلات على القواعد المنظمة للتعامل مع المصانع والأراضي الصناعية لزيادة مرونة إدارة الأصول، ومن بينها تسهيلات مرتبطة بتأجير المصانع القائمة وفق ضوابط محددة. وتُسهم هذه التوجهات في عدم حصر الأثر في تأسيس مصانع جديدة فقط، بل في زيادة الاستفادة من المصانع القائمة عبر توسعات تشغيلية وجذب استثمارات تستهدف قطاعات ذات أولوية.

**منظومة تراخيص توسعية: 71 ألف رخصة تشغيل و61.4 ألف سجل**
تواكب توسع المناطق والأراضي مع تقدم كبير في منظومة التراخيص والخدمات الصناعية. فقد أصدرت هيئة التنمية الصناعية 16 ألفا و597 رخصة بناء، إلى جانب 71 ألف رخصة تشغيل و61 ألفا و400 سجل صناعي خلال السنوات الماضية، بما يعكس اتساع قاعدة المنشآت التي دخلت مراحل البناء أو استكملت متطلبات القيد والتشغيل.

وتدعمت هذه القفزة بمنظومة تشريعية وتنظيمية هدفت لإعادة ترتيب بيئة ممارسة النشاط الصناعي، ومنها قانون تيسير إجراءات منح التراخيص الصناعية، واللائحة التنفيذية لقانون هيئة التنمية الصناعية، واللائحة التنفيذية لقانون تفضيل المنتج المحلي في العقود الحكومية، إلى جانب تعديلات تخص التصرف في الأراضي وتأجير المصانع والتعامل مع حالات التعثر. وتركز توجهات هذه الإجراءات على تقليل العقبات وتسريع دورة حياة المشروع من الأرض إلى البناء ثم التشغيل والإنتاج.

**مستهدفات نمو الاقتصاد الصناعي حتى 2025/2026**
ضمن خطة العام المالي 2025/2026، تستهدف الدولة رفع قيمة الإنتاج الصناعي إلى نحو 6.8 تريليون جنيه بزيادة 19% عن العام السابق، مع استهداف وصول الناتج الصناعي إلى حوالي 2.9 تريليون جنيه. كما تستهدف الخطة توجيه استثمارات بقيمة 252.8 مليار جنيه إلى قطاع الصناعات التحويلية، مع استحواذ القطاع الخاص على نحو 83% من هذه الاستثمارات المستهدفة.

وتأتي هذه المستهدفات في إطار رفع دور الصناعة في الاقتصاد عبر مسارين متوازيين: تعظيم القيمة المضافة وزيادة التشغيل في المصانع القائمة، وليس فقط إنشاء مصانع جديدة، مع تعميق التصنيع المحلي لتحسين جودة المنتج وقدرته التنافسية.

**استراتيجية تصاعدية للصادرات إلى 100 مليار دولار بحلول 2030**
ترتكز الاستراتيجية الصناعية على رفع الصادرات الصناعية لتصل إلى 100 مليار دولار بحلول 2030 عبر التركيز على القطاعات ذات الأولوية، وزيادة القيمة المضافة، وتوطين الصناعات، وربط الإنتاج المحلي بسلاسل القيمة العالمية.

ولتحقيق ذلك، لا يقتصر التطوير على التوسع في المنشآت والأراضي؛ بل يشمل رفع كفاءة الإنتاج وتحسين الجودة، حيث قدم مركز تحديث الصناعة 19 ألفا و889 خدمة دعم فني لنحو 3296 شركة في مجالات مثل رفع التنافسية والجودة والتحول الرقمي والاقتصاد الأخضر وتنمية الصادرات.

كما تم تحديد 39 فرصة استثمارية تستهدف إحلال الواردات وزيادة الصادرات، إلى جانب تنظيم بعثات تجارية ومعارض متخصصة، وتنفيذ مشروعات للطاقة الشمسية بما يدعم خفض الانبعاثات الكربونية في القطاع الصناعي.

**جودة ومطابقة واختبارات مع توسع في الاعتماد**
في مجال المواصفات والجودة، أصدرت الهيئة المصرية العامة للمواصفات والجودة 8878 مواصفة قياسية جديدة أو محدثة، كما منحت تراخيص جديدة لعلامة الجودة لنحو 900 منتج في 550 منشأة، وتجديد تراخيص 3000 منتج في 1500 منشأة.

وفي منظومة الاختبارات والاعتماد، تم اعتماد 35 معملا وفقا للمواصفات الدولية، كما اعتمد المجلس الوطني للاعتماد 950 جهة، منها 860 جهة داخل مصر و90 جهة في 22 دولة، بما يعزز الاعتراف الدولي بنتائج الاختبارات وشهادات المطابقة.

**رقابة صناعية وخدمات فنية للرفع من جاهزية الإنتاج**
على مستوى الرقابة الصناعية، نفذت الجهات المختصة 152 ألفا و134 حملة تفتيش ورقابة على المنشآت الصناعية والمراجل ومستلزمات الإنتاج، وأعدت أكثر من 172 ألف دراسة فنية، وأصدرت نحو 48 ألف ترخيص للمراجل والآلات الحرارية.

كما تم اعتماد أكثر من 14 ألف مركز خدمة وصيانة، وتقديم أكثر من 8300 استشارة فنية، وحل ما يقرب من 15 ألف شكوى، بما يساهم في تقليل الأعطال ودعم استمرارية التشغيل.

**الاستثمار في المهارات: تدريب وتطوير للعمالة الصناعية**
لا تكتمل منظومة التوسع الصناعي دون دعم العنصر البشري. فقد بلغ عدد خريجي برامج التدريب المهني 142 ألفا و206 طلاب في مختلف التخصصات الصناعية، إلى جانب تنفيذ أكثر من 2500 برنامج تدريبى، واستحداث 21 مهنة جديدة وتطوير 27 مهنة وفقا لاحتياجات سوق العمل.

كما قدمت المراكز التكنولوجية التابعة للقطاع الصناعي أكثر من 13 ألفا و884 استشارة للورش والمصانع، ونظمت 1148 دورة تدريبية استفاد منها أكثر من 21 ألف عامل، وأجرت نحو 257 ألف اختبار متخصص لتطوير المنتجات، وساعدت أكثر من 500 شركة في الحصول على شهادات الجودة الدولية.

**مرحلة جديدة: من بناء المنشآت إلى تعظيم القيمة المضافة**
توضح هذه المؤشرات أن الصناعة المصرية انتقلت خلال السنوات الماضية من الاعتماد الأكبر على زيادة عدد المناطق والمصانع إلى بناء منظومة أكثر تكاملا، تضم الأرض والتراخيص والدعم الفني والجودة والتدريب والتصدير.

وتستهدف المرحلة المقبلة مزيدا من التركيز على زيادة الطاقة الإنتاجية وتعميق التصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات، مع تعزيز القدرة على التصدير وجذب استثمارات جديدة إلى الصناعات ذات الأولوية. ويظل الوصول إلى صادرات صناعية بقيمة 100 مليار دولار بحلول 2030 اختبارا محوريًا، خصوصا مع الحاجة إلى رفع المكون المحلي في المنتجات وتحسين الإنتاجية والجودة وتوسيع قاعدة الشركات القادرة على المنافسة دوليا.

وبذلك تتجه الصناعة المصرية نحو نمو فعلي في الإنتاج والصادرات وفرص العمل، مع تحويل التوسع في البنية الصناعية إلى أثر اقتصادي ملموس قائم على القيمة المضافة والقدرة التنافسية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *