التخطي إلى المحتوى

أكد وزير التربية الوطنية الفرنسي إدوار جفراي أن الذكاء الاصطناعي يشكل “التحول الكبير الثالث” في علاقة الإنسان بالمعرفة، بعد اختراع الكتابة والطباعة. وأوضح الوزير أن إدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم لا يهدف فقط إلى تعريض الطلاب للتقنيات الجديدة، بل إلى بناء قدرات معرفية وأخلاقية وتمكينية تساعدهم على فهم الأدوات الحديثة والتعامل معها بوعي.

وبحسب تصريحات جفراي، ستبدأ فرنسا اعتبارًا من العام الدراسي 2027 تدريس الذكاء الاصطناعي لطلاب الصف الثاني الثانوي (seconde) بمعدل ساعة أسبوعيًا ضمن مادة العلوم الرقمية والتكنولوجيا. ويأتي هذا التوجه ضمن إطار أوسع يرى أن نجاح التعامل مع الذكاء الاصطناعي يتطلب قاعدة معرفية قوية لدى الطلاب، لا سيما مهارات القراءة والكتابة والحساب، إضافة إلى القدرة على التفكير المستقل.

ولتلخيص الفكرة، أشار الوزير إلى أن قوة الطالب في التعامل مع الذكاء الاصطناعي ترتبط بحجم مفرداته ومعارفه: فإذا كان الطالب يمتلك عددًا محدودًا من الكلمات، يصبح الذكاء الاصطناعي أشبه “بلعبة” بيده، بينما إذا امتلك مخزونًا معرفيًا واسعًا—مثل 4000 كلمة—فقد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة يستخدمها الطالب بكفاءة أكبر. وتدل هذه المقارنة على أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي دون تطوير المهارات الأساسية التي تمنح المتعلم قدرة على التقييم والتحقق.

كما أكد الوزير أن مواجهة هذا التحول تستوجب من النظام التعليمي ثلاث خطوات رئيسية. أولًا: تعزيز المعارف الأساسية وبناء التفكير المستقل. ثانيًا: تمكين الطلاب من فهم أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل واضح، بما يشمل معرفة طريقة عمل النماذج بصورة مبسطة، وفهم استخداماتها وحدودها، إضافة إلى التعرّف على التحيزات المحتملة. ثالثًا: التعامل مع القضايا المرتبطة بالسيادة الرقمية، بما يضمن وعي الطلاب بمخاطر الاعتماد غير الواعي على المنصات والخوارزميات.

وتعمل الحكومة الفرنسية بالتوازي مع رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو على ربط تعليم الذكاء الاصطناعي بخطة أوسع للحد من التعرض المفرط للشاشات، باعتبار الهدف واحدًا: إعداد الطلاب ليصبحوا “مواطنين أحرارًا ومستقلين”. واعتبر لوكورنو أن ترك جيل كامل يكتشف الذكاء الاصطناعي دون “المفاتيح اللازمة لفهمه والتحكم فيه” أمر غير مقبول تربويًا، لأن الوعي بالتقنيات يجب أن يكون جزءًا من الحماية والتعليم.

وفي ضوء ذلك، أكد لوكورنو أن جميع طلاب الصف الثاني الثانوي سيستفيدون من تدريس مخصص للذكاء الاصطناعي ابتداءً من 2027، ويتضمن محاور تشمل: كيفية عمل النماذج، والتطبيقات العملية التي يمكن أن يستفيد منها الطلاب، والجوانب الأخلاقية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي، والسيادة الرقمية، وتنمية التفكير النقدي. كما يشمل البرنامج—وفق ما ورد—طرق التعامل مع التلاعب والمعلومات المضللة، وكيفية التحقق من صحة المحتوى الناتج أو المتأثر بالخوارزميات.

ويعكس هذا القرار قناعة فرنسية بأن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يكون موضوعًا للتعلم المسؤول لا مجرد تجربة تقنية. فمن خلال دمجه في المناهج مبكرًا وبوتيرة منتظمة، تسعى فرنسا إلى بناء جيل يمتلك مهارات القراءة والكتابة والحساب، إلى جانب مهارات جديدة تتمثل في فهم آليات الذكاء الاصطناعي وتقييم مخرجاته أخلاقيًا وفكريًا، بما يدعم استقلاليته ويحميه من مخاطر الاستخدام غير الواعي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *